الانسان في حياته يجب ان يعرف انه في صراع دائم، وحينما أنزل الله –تعالى- آدم وحواء الى الأرض قال: {بَعضُكُم لِبَعضٍ عَدوٌ}، فالصراع جزء لا يتجزأ من وضع الانسان في الأرض، وهذه فتنة وابتلاء، ولا يمكن لأي انسان ان يتصور انه سوف يعيش في أمان من الصراع (التحديات)، ولابد عليه معرفة كيف يواجه التحديات.
الولاية الإلهية هي علاج للمشاكل التي يواجهها البشر، و أول معاناة الانسان تكون مع نفسه، والانسان معدن وفيه الكثير من الشوائب، فتارة يتعرض لحرارة الفتن، وأخرى لمشاكله الداخلية؛ كالمرض، والفقر، وما اشبه، ذلك أن “الناس معادن كالذهب والفضة” يقول الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله.
والعلاج الاجدر والانفع هو الحب الذي ينعكس بصورة شبه آلية على سلوك الانسان، كما جاء في أبيات منظومة للإمام الصادق، عليه السلام: “إن المحب لمن أحب مطيع”.
فالولاية الإلهية التي هي تقوّم حركة الانسان، وتوجهها في السبيل الصحيح، الذي يعود بالفائدة على البشر، تلك الولاية تضم منافعَ كثيرة منها: التوحيد.
والانسان خُلق اجتماعياً بالأساس؛ فهو ليس شجرة، او مثل بعض الحيوانات، كالدجاجة التي تبيض، وما إن يفقس بيها وتكبر الفراخ تقوم الام بطردهم، بينما الانسان على العكس؛ إنه كائن اجتماعي الخِلقة، والخُلق، وبناء على ذلك؛ فالولاية هي التي تجمع، قال ـ تعالى ـ: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا}، فلابد ان تكون هناك روابط تشد الانسان الى الآخر، فالحجر لا ينشد الى الحجر الآخر إلا بالطين او الاسمنت، والمثل الإلهي يضربه القرآن الكريم للمجتمع الإسلامي الرصين في قوله ـ تعالى ـ: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ}.
بالحب والمولاة يشد بعضنا أزر بعض، نقرأ في زيارة الإمام الحسين، عليه السلام: “إنّي سلمٌ لمن سالمكم و حربٌ لمن حاربكم”.
فاول ولاية للإنسان، هي ولاية الله –تعالى- لأنه خالقه ورازقه، وهذه الولاية كلما تكرّست في الانسان تصبح روحيته سمحة، وقلبه منشرح، ورؤيته واضحة وكبيرة، فالمؤمن حين يرى بقية الأمور من خلق الله بتلك البصيرة تكون هناك علاقة بيّنه، وبين تلك المخلوقات على ضوء الولاية الإلهية، وهو تعبير النبي الاكرم، صلى الله عليه وآله، كما يذكره القرآن الكريم: {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ}.
من أبرز القضايا المهمة عند الانسان المؤمن أنه حين يؤمن بالله، يؤمن بولايته، فولاية الله على كل شيء، والانسان من ضمنها، فتتكون حينها علاقة بين الانسان والاشياء الأخرى
وفي آيات القرآن الكريم خطاب للبشر بمعنى واحد وكلمات مختلفة، {وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ}، كل شيء يسجد ويعبد ويحب الله، فلماذا يشذُّ بعض البشر عن ذلك؟
الانسان يعيش في الأرض الواسعة ويستفيد من خيراتها، ومن اشعة الشمس، وجاذبية الأرض والقمر، وكذا بقية الأمور الأخرى، فالإنسان يعيش في جوٍ من خلق الله، ولا يستطيع ان يعيش بدون ذلك.
فإذا نقصت جاذبية الأرض يؤثر ذلك على أمور كثيرة؛ منها أن الجنين الذي يولد يصبح طويلا كالنخلة، وإذا كثرت الجاذبية عما هي عليه الآن يصبح الانسان كجحم النملة. وفي بقية مخلوقات الله ثمة اعتدال؛ مثل الأكسجين، وضوء الشمس المعتدل.
من أبرز القضايا المهمة عند الانسان المؤمن أنه حين يؤمن بالله، يؤمن بولايته، فولاية الله على كل شيء، والانسان من ضمنها، فتتكون حينها علاقة بين الانسان والاشياء الأخرى، فمثلا ابسط المخلوقات التي نراها يوميا هي النملة، فمن غير الصحيح سحقها وقتلها لأنها تمارس حياتها التي تراها جديرة بالعيش فيها، فكما ان الانسان يعيش حياته الخاصة، فبقية المخلوقات تعيش حياتها. هذه النظرة الى الحياة هي نظرة سعة الصدر الى الحياة.
وهذا خلاف علماء الغرب، كفرويد وغيرهم، ممن يرون أن الانسان في صراع مع الطبيعة، وقد تجلى ذلك حتى في صناعة الأفلام، فهناك انتاج لأفلام الافتراس التي تصور الحياة أنه افتراس دائم بين المخلوقات، بخلاف النظرة الإسلامية التي تنبعث من ولاية الله، ولأنها شاملة لكل شيء في الكون.
وولاية الله تتجلى في ولاية النبي الاكرم، ثم الائمة، ثم تتدرج الى ولاية المؤمنين، كما نقرأ في زيارة الامام الحسين، عليه السلام: “وليٌ لمن ولاكم وعدوٌ لمن عاداكم” معنى ذلك ان الاخوة الايمانية تجمع بين كل المنتمين الى أهل البيت، عليهم السلام، باختلاف جنسياتهم، وأعراقهم.
وقبل ان تكون الولاية عملية، هي نظرية، اي هي قناعة وعقيدة، والإسلام يجمع الكل؛ الغني، والفقير، العالِم والجاهل، وبقية التصنيفات الأخرى، فما دام الانسان موالٍ لله، ولرسوله، وللائمة فهو موالٍ لي أيضا، فيكون البدء بالولاية حتى نصل الى تلك العلاقة الإيجابية الكبرى التي تجمعنا نحن كمسلمين بمحيطنا، وبالخلق من حولنا، وكيف يجب ان نتعاون فيما بيننا.
___________
مقتبس من محاضرة لسماحة المرجع الديني السيد محمد تقي المدرسي دام ظله
