يُعدُّ الانتماء من المباحث المهمة في علم الاجتماع كونه حاجة فطرية في ذات كل انسان منذ ولادته، وخلال سنين حياته، فهي “شعور وجداني لدى الانسان بالارتباط بفكر او شخص أو منهج”، يقول السيد سجاد المدرسي في مؤلفه الجديد والرائع الذي يعد من ومضات الفكر الحسيني، وهو يبحث في أهمية وضرورة الانتماء الى المدرسة الحسينية، بما تضم من قيم ومبادئ تمثل امتداداً للرسالة الخاتمة، ولمدرسة جدّه المصطفى، وأبيه المرتضى، صلوات الله عليهما.
و رغم أن الكتاب (الكراس) المكون من 170 صفحة،، هو حصيلة أفكار حسينية انسابت من فوق المنبر الحسيني في أيام العشرة الأولى من شهر محرم الحرام سنة 1445هـ بيد أن لا يخلو من أفكار مركزة وإضاءات دقيقة لمسائل تتعلق بالعقيدة والأخلاق والسلوك، حاول سماحة السيد المؤلف أن يصل بالقارئ، ليس فقط الى أهمية وضرورة الانتماء الى مدرسة الامام الحسين، بل الى آثار هذا الانتماء على حياة افراد المجتمع والأمة جمعاء في حاضرها ومستقبلها ومصيرها، مشدداً على جانب الوعي الفهم الجادّ والعميق لفلسفة النهضة الحسينية، وأن الانتماء هنا، يمثل الانتماء الى الإسلام، بكتابه وتعاليمه وسيرة المعصومين، عليهم السلام.
كيف ننجح في الانتماء الى الامام الحسين؟
انه السؤال المحوري الدائر في أذهان الآلاف، بل الملايين من الطائفين حول مرقد الامام الحسين، كل يوم على مدار السنة، ولاسيما في الزيارات المليونية، وتحديداً في عاشوراء، حيث تلتهب المشاعر، لاسيما في نفوس الشباب، والجميع يدّعي وصلاً به، عليه السلام، وانه يقوم بعمل ما يعبر عن انتمائه وعلاقته به. ولكن! كيف السبيل الى انتماء حقيقي وصحيح؟
السيد المؤلف طرح في عنوان كتابه سؤالَين: لماذا؟ وكيف؟ وجعل من الإجابة على السؤالين ميداناً للشرح والتفصيل لتحقيق ما نصبو اليه، وبعد القسم الأول الذي خصصه للتمهيد، تحت عنوان: الانتماء؛ حدوده- أقسامه- آثاره، يزدلف في معرض البحث عن جواب السؤالين، مشيراً الى بعض المسارات المؤدية لهذا المقام الرفيع (الانتماء)، في مقدمتها تحدث عن الجانب المعرفي، كقاعدة ايمانية رصينة ينطلق من خلالها الانسان المؤمن والمحب للإمام الحسين، وأكد على معرفة شخص الامام الحسين، ومن يكون؟ وذلك من خلال “كلمات النبي وأهل البيت عنه، والتعريفات الشخصية للإمام عن نفسه، والزيارات الواردة عن المعصومين للإمام، عليه السلام”، عادّاً هذه الزيارات “كنوزاً لمعرفة سيد الشهداء ونهجه”.
وفي معرض اجابته عن سؤال؛ لماذا؟ يشير سماحته الى نقطة غاية بالاهمية تتعلق بشخصية المنتمي، ولاسيما الشباب، وهي توفير الحصانة الفكرية والثقافية، ويسلط الضوء تحديداً على دور المجالس والشعائر الحسينية بأن المشاركة في مجالس العزاء والشعائر الحسينية تمثل “الجانب الطبيقي للاستجارة بكهف الحسين”.
ويستعرض سماحة المؤلف خطواته في هذا المسار تحت عناوين: الانتماء العقدي للإمام الحسين، وماهي العقبيدة الحسينية؟، والتسليم علامة الايمان الصادق، الانماء النهدوي امتداد للاتماء الحسيني، وتحلم المسؤولية تاجا ه الدين، والغيرة على الدين.
وبعد القاعدة المعرفية، يثبت سماحته القاعدة العقدية لتكون الركيزة الثانية لهذا الانتمء، لأن “أهمية العقيدة تكمن في انها مقدمة لتكوّن الفكر والثافة ومن ثم السلوك الخارجي”، وأن “الانتماء الى الامام الحسين يتوقف اولاً الى ما كان يعتقد به الامام ومنثم اتباعه فميا كان يفعله ويأمر به”. يقول سماحته.
الأسرة و دوره في الانتماء الحسيني
أشاد العلماء المهتمين بأمر الشعائر الحسينية، بالأسرة كمنطلق للانتماء للامام الحسين وللنهضة الحسينية، وفي مقدمتهم؛ سماحة المرجع الديني السيد محمد تقي المدرسي، الذي أكد غير مرة على دور الأم في تنشأة جيل حسيني يدير المواكب والهيئات ويندفع بحماسة لا نظير لها للقيام بمخختلف الاعمال لخدمة زائري الامام الحسين.
صحيح أن الانتماء الى الأسرة يأتي طبيعياً كما أشار سماحة السيد في مؤلفه، واصفاً هذا النوع من الانتماء بأنه انتماء “المصلحة والخذ، فالابن في انتماءه للأسرة مثلا، يستفيد الرعاية والحماية”، بينما يدعو الى “الانتماء الرسالي الواعي والمسؤول الذي ختاره الانسان بمحض ارادته”، وهذه الإرادة بحد ذاتها لن تتكون في نفس وقلب الشاب، او حتى الطفل الصغير لولا الروح الحسينية المبثوثة من قبل الأب والأم في بيوت نراها تبتفر الى السقف المانع للمطر، والى أبسط مقومات العيش الكريم، ولكنهم يرون الكرامة في تربية أبنائهم على حب الامام الحسين، وخدمة الزائرين، ونفس هؤلاء هم من يشاركون في المجالس الحسينية، ويضيفون الزائرين في شهري محرم الحرام وصفر الخير.
