الهدى – متابعات ..
يشهد العراق تزايدًا ملحوظًا في أعداد العمالة الأجنبية غير المرخصة منذ سنوات، ما يشكل تحديًا متناميًا لسوق العمل المحلية ويثير قلقًا واسعًا لدى المختصين والمهتمين بالشأن الاقتصادي.
وبدأت هذه الظاهرة بالاتساع منذ عام 2006، مع تدفق جنسيات متعددة إلى البلاد عبر منافذ غير قانونية، لتجد لنفسها مكانًا في ميادين العمل دون رقابة واضحة، لا سيما في المقاهي والمنازل.
وتعمل هذه العمالة بأجور متدنية جدًا، ما يضعف تنافسية العامل العراقي ويفاقم نسب البطالة في صفوف الشباب.
وتؤكد مصادر أن بعض الشركات والمكاتب الخاصة تُسعّر العمالة الأجنبية بحسب الجنسية، في تجاوز صارخ للمعايير القانونية والإنسانية، وسط غياب رقابي يتيح استمرار هذه الممارسات.
ويرى خبراء أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب إعادة تنظيم سوق العمل، وتشديد الإجراءات الرقابية، وتفعيل القوانين المتعلقة بتصاريح الإقامة والعمل، فضلاً عن إطلاق حملات توعية تستهدف أصحاب الأعمال والمواطنين بشأن مخاطر تشغيل عمالة غير نظامية على الاقتصاد والأمن المجتمعي.
استغلال وتلاعب بأسعار العمالة الأجنبية
وتشير إفادات المواطنين إلى أن بعض الشركات، مثل شركة “ت . ك”، تُسوّق العاملات الأجنبيات وفق جنسياتهن، إذ تتراوح أسعار استقدام العاملة بين 3100 و 4500 دولار، بحسب الدولة التي تنتمي إليها.
وتُفرض مبالغ أعلى على العاملات الإثيوبيات، نتيجة قلة أعدادهن في السوق العراقية مقارنة بجنسيات أخرى مثل الأوغندية أو البنغلاديشية، ما يفتح الباب أمام تسليع العمالة المنزلية وضعف الضوابط القانونية في التعامل مع هذا الملف.
أعداد كبيرة من العمالة غير المرخصة وخسائر للاقتصاد
وأكد عضو لجنة العمل النيابية، النائب حسين عرب، أن “أعداد العمالة الرسمية لا تتجاوز 100 ألف، في حين تتراوح أعداد العمالة غير المرخصة بين 400 ألف أو 500 ألف إلى 700 ألف”.
وأضاف أن “طرق دخول هذه العمالة غير المرخصة تتم عبر وسائل ملتوية، كانت سابقًا عن طريق الشركات الاستثمارية، أما الآن فأصبحت تتم عبر إقليم كردستان العراق أو من خلال أنواع مختلفة من الفيز، منها الاضطرارية والسياحية وغيرها”.
وتابع عرب أن “هناك تحايلاً على القانون من قبل بعض المستفيدين الذين ينتفعون من هذه الظاهرة على حساب الاقتصاد، فضلاً عن تحويل أموال كبيرة جدًا من قبل هذه العمالة إلى خارج البلاد”.
وأشار إلى أن “مجلس النواب شرّع قانون التقاعد والضمان وأضاف فيه مواد تخص العمالة الأجنبية وآليات دخولها، ووضع قيودًا حقيقية، لكن التحايل ما زال قائمًا من قبل بعض المتنفذين وبعض الشركات الاستثمارية، وكل ذلك يؤدي إلى خسائر كبيرة للاقتصاد العراقي”.
عقوبات قانونية مشددة
وبحسب القانون العراقي، نصت المادة 41 من قانون الإقامة رقم 76 لسنة 2017 على: “يُعاقب بالحبس لمدة لا تزيد على سنة وبغرامة لا تقل عن 100 ألف دينار كل من خالف أحكام قانون الإقامة الأجنبية بالتستر أو تشغيل أجنبي يعمل دون ترخيص”.
وفي هذا الصدد، أكد المقدم علاء من مديرية شؤون الإقامة في وزارة الداخلية، أن تشغيل أجنبي يعمل من دون ترخيص أو التستر عليه يعد مخالفة صريحة لقانون إقامة الأجانب، ويعرّض جميع الأطراف – العامل وصاحب العمل والكفيل – إلى عقوبات مالية وإدارية وقانونية مشددة.
وأشار إلى أن الجهات المختصة في وزارة الداخلية تحرص على تطبيق هذه النصوص بدقة، لضمان احترام سيادة القانون وتنظيم سوق العمل.
وأوضح أن “دخول العمالة غير المرخصة يتم غالبًا عن طريق المنافذ الحدودية أو المطارات، إذ يدخل العامل بصفة زائر شخصي أو يحمل إقامة مؤقتة (لشهر أو سنة)، ثم يخالف شروط هذه الإقامة بالبقاء والعمل بصورة غير قانونية”.
وأضاف أن “العقوبات تطول العامل ورب العمل معًا، إذ يلتزم الكفيل قانونيًا بضمان عدم مخالفة المكفول لأحكام الإقامة، ويُعد مسؤولاً عن أي تجاوز”.
وشدّد المقدم علاء على أن وزارة الداخلية تواصل حملاتها لملاحقة العمالة الأجنبية غير المرخصة، مشيرًا إلى أن “مفارز مديرية شؤون الإقامة تنفّذ حملات مستمرة في بغداد وباقي المحافظات، للتحري والقبض على المخالفين، بالتنسيق مع باقي تشكيلات وزارة الداخلية”.
فجوة كبيرة بين العمالة المسجلة وغير المسجلة
وتشير الإحصائيات إلى أن عدد العمال الأجانب في العراق يُقدّر بنحو مليون ونصف المليون عامل، إلا أن عدد المسجلين رسميًا لا يتجاوز 43 ألفًا فقط.
ويعكس هذا فجوة كبيرة تُعزى إلى دخول معظم هؤلاء عبر تأشيرات زيارة أو سياحة، ثم البقاء للعمل بصورة غير قانونية من دون استحصال تراخيص رسمية.
وفي هذا الإطار، قال المستشار القانوني سعد البخاتي: إن تشغيل العمالة الأجنبية من دون الحصول على إجازة عمل يعد مخالفة قانونية صريحة.
وأكد أن القانون ينظم عمل الأجانب من خلال إجراءات تبدأ بالحصول على إجازة عمل من وزارة العمل والشؤون الاجتماعية قبل المباشرة بأي نشاط وظيفي.
وأوضح البخاتي أن هذه الإجازة تُمنح بعد تقديم طلب رسمي إلى دائرة التشغيل بقسم الأجانب، إلى جانب توفير ضمانات تتعلق بتشغيل نسبة من العمالة العراقية، فضلاً عن تقديم مستمسكات تشمل جوازات السفر وشهادات الخبرة في حال توفرها.
وبيّن أن الهدف من هذه الشروط هو ضبط سوق العمل وتقليل نسب البطالة بين المواطنين وضمان حقوق العمال الأجانب وفق إطار قانوني منظم.
