الأخبار

الكاظمية المقدسة تتحول إلى لوحة إيمانية في ذكرى عاشوراء

الهدى – الكاظمية المقدسة ..

تتحول مدينة الكاظمية المقدسة خلال شهر محرم، خاصة في أيامه العشرة الأولى، إلى لوحة إيمانية تفيض بالحزن والولاء. تحتضن المدينة مئات مواكب العزاء الحسيني التي تفد من مختلف مدن ومناطق العراق، بل ومن دول الجوار، لإحياء ذكرى واقعة الطف واستشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه.

وتمتاز مواكب الكاظمية برمزية خاصة، حيث تلتقي قداسة المكان بقدسية المناسبة، لتتخذ مراسم العزاء أبعاداً روحية واجتماعية كبيرة. وتبدأ الاستعدادات عادة قبل أسابيع، فينصب القائمون على المواكب السرادق، وتتهيأ مواكب اللطم والزنجيل، وتمتلئ الطرقات بالأعلام السود والشعارات الحسينية.

وتنطلق المواكب من أطراف بغداد متجهة نحو المرقدين الطاهرين للإمامين موسى الكاظم ومحمد الجواد (عليهما السلام)، مرددة القصائد الحسينية التي تحيي مأساة كربلاء.

وراثة خدمة الإمام الحسين (ع)

ويؤكد الحاج أبو مرتضى الكعبي، أحد رؤساء المواكب القديمة في الكاظمية، أن “خدمة الإمام الحسين شرف لا يقاس”.

ويضيف: “نحن نحمل هذه المسؤولية عن آبائنا وأجدادنا، ونجتهد كل عام لتقديم ما يليق بمصاب كربلاء، لا سيما في جوار الإمامين الكاظم والجواد، فهنا للحزن نكهة إيمانية خاصة”.

وتُعرف هذه المواكب بتنظيمها العالي والتزامها بسلاسل زمنية دقيقة لدخول الحرم، وقد أضفت العتبة الكاظمية المقدسة طابعاً تنظيمياً راقياً عليها من خلال توجيه ومتابعة دخول المواكب وترتيب أوقات سيرها، فضلاً عن توفير الخدمات والدعم اللوجستي.

كما تحيي الحاجة فاطمة الركابي، زائرة جاءت من مدينة النهروان، هذه الشعائر بتوزيع قناني الماء بين المعزين، وتقول بعينين دامعتين: “هذه مشاركتي البسيطة في عزاء سيدي الحسين، لا أملك سوى الماء، لكنني أقدمه بنية الزهراء أم العباس (عليهما السلام، فالحسين (عليه السلام) علّمنا الكرم حتى في العطش”.

لم تقتصر المواكب على إحياء الشعائر فقط، بل امتدت لتقديم الطعام والماء للزائرين في ما يعرف بـ “الخدمة الحسينية”.

وتنتشر مواكب الإطعام على امتداد الشوارع المؤدية إلى المدينة المقدسة، ابتداءً من الأول من محرم وحتى الأربعين من شهر صفر، مؤكدين على قيم الكرم والتكافل.

الربح الحقيقي والعطاء الحسيني

ويقول علي الحسيني، وهو متطوع في موكب يخدم الزائرين: “ننام ساعات قليلة في هذه الأيام، لكن التعب يزول مع نظرة طفل يبتسم وهو يتناول الطعام، أو دعاء أم تقول: جزاكم الله خيراً. هذا هو ربحنا الحقيقي”.

وتمثل هذه المواكب إرثاً حضارياً واجتماعياً، وتحمل في طياتها ملامح من هوية العراق الدينية والثقافية، وهي في الوقت نفسه رسالة متجددة بأن ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) ليست في ضمير الأمة الإسلامية، بل يستعاد كل عام ليغذي قيم الحق.

وعلى امتداد الطرق المؤدية للمرقد الشريف، توشحت المدينة بالسواد وبدت الحياة شبه معطلة، وكأن المصيبة قد حدثت للتو.

وفي هذا الصدد أشار المؤرخ جواد الملا حسن بالقول: “مدينة الكاظمية لها تاريخ مجيد ومشرف في خدمة الزوار في كل المناسبات، لعلها تحيا بين أزقتها كل معاني الكرم والجود، فأهلها ينتظرون موسم عاشوراء، ليبينوا مدى العزاء بأشكاله المتعددة.

وهذا هو السر في الأثر الذي خلفته واقعة الطف في نفوس المسلمين وعلى امتداد التاريخ، فحرارتها لا تبرد أبداً ولا يمكن لتقادم الزمن أن يلفها في عالم النسيان، فالكاظميون، هذا هو ديدنهم، فهم يشعرون بأن المحظوظ منهم هو من يقع بيته أو محل عمله على الطرق المؤدية لمرور الزائرين، ليتمكن من تقديم أفضل الخدمات في هذه المناسبة والمناسبات الأخرى”.

وارتسمت أجواء عاشوراء الإمام الحسين (عليه السلام) في مدينة الكاظمية المقدسة، حيث انتشرت المواكب الحسينية أمام القباب الذهبية معلنة الحب والعزاء، شأنها شأن باقي المدن الإسلامية على إقامة المجالس الدينية والمواكب العزائية في شهر محرم الحرام.

ولكونها مدينة لها خصوصيتها وقداستها، فمن الطبيعي أن يكون لها السبق والصدارة في إحياء مراسم العزاء. هنا ترى موكب الأنباريين بسرادقه الكبير، الذي يقدم خدماته ليلاً ونهاراً للزائرين والمعزين، وإلى جانبه نصب سرادق صغير لمجموعة من الأطفال أبناء الخدم، الذين اعتادوا رسم صورة عميقة لموكب عزاء منظم له القابلية والمحبة لأهل البيت عليهم السلام.

في المقابل نجد خيام النساء تتوزع على طول الطرق المؤدية إلى مدينة الكاظمية المقدسة، ليعبر هذا المنظر المهيب عن قيمة أيام عاشوراء وحتى أيام الأربعين، حيث يكون العزاء في قمة وذروة نشاطه.

وإلى جانب موكب الأنباريين، يحط موكب عزاء السعديين، الذي تميز بهيبته المعهودة وكثرة الخدم الذين يحيون أيام محرم بشكل مكثف. ويُعد هذا العطاء الحسيني كما وصفوه من أجمل ما ينتظرونه خدمة للزائرين والمعزين. وتتوزع مواكب الكريعات والنواب والسادة النعيم وغيرها في الطرقات والشوارع التي تؤدي لمرقد الإمامين الكاظمين (عليهما السلام).

شعور جماعي يوحّد العراقيين

وإحياء عاشوراء في العراق من التقاليد التي توارثها العراقيون منذ القدم، وتشمل إقامة المواكب الحسينية ومجالس العزاء، وتبدأ في الأول من شهر محرم لتبلغ ذروة فعالياتها في العاشر منه، كما تنظم عزاءها أيضاً في الأيام القريبة من أربعينية سيد الشهداء (عليه السلام).

ويشير المواطن أبو كرار من الكاظمية في بغداد، الذي ينظم موكباً للعزاء سنوياً، إلى أن موكبه يضم سنوياً عرباً وكرداً وسنة أيضاً، يتوافدون من منطقة الأعظمية وأماكن أخرى إلى المدينة المقدسة في الكاظمية إحياءً لذكرى استشهاد أبي الأحرار.

كما يتوافد كل عام عبر مواكب حسينية، العديد من المتشاركين من أبناء الطوائف الأخرى، إذ تضم المواكب المئات منهم الذين تواجدوا لخدمة الزائرين والتعايش معهم، وهي أمثل صورة رسمت خصائص العزاء في كل مكان وزمان، وبرهان دامغ على وحدة النسيج العراقي بجميع أطيافه ومكوناته، وهي رسالة واضحة إلى بعض رجالات الطبقة السياسية، من أجل توحيد الخطاب الوطني وتغليبه على خطابات التفرقة من أجل وحدة وخدمة الوطن والمواطن بحسب قول صاحب الموكب.

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا