الشهادة مدرسة القادة

0

الشهادة مدرسة متكاملة أسسها سيد الشهداء، أبي عبد الله الحسين، عليه السلام، ووضع لها المنهجية الكاملة، وكتب فصولها أولئك القادة الذين كانوا أول المنتمين لها ممن وضعوا أولى لبنات هذه المدرسة على أرض كربلاء فتأسست بدمائهم هذه المدرسة وبنيت عمارتها على أجسادهم الطاهرة، لقد فتحت هذه المدرسة أبوابها لكل من عشق الكرامة ليصبح تلميذا منتميا لها.
وعلى مر العصور انتمى لها الكثير ممن درسوا فيها وتعلموا أروع الدروس في البطولة والفداء، وضربوا أعظم الأمثلة في الجهاد والتضحية، وقد تخرج منها الكثير من القادة الذين وصلوا إلى أعلى المراتب في هذه المدرسة، وفي نهاية المطاف تخرجوا منها وحصلوا على الشهادة ليصبحوا بعد ذلك أساتذة في هذه المدرسة، يعلّموا الأجيال دروس العزة والكرامة والفداء والتضحية والجهاد وينمون في نفوسهم روح الشهادة.
فالكثير الكثير ممن تخرج من هذه المدرسة ولا نستطيع أن نحصيهم ونعدهم في هذه الكلمات القليلة، ولكن نعرض بعض الأمثلة منهم، فمن هؤلاء القادة الشهداء خريجي مدرسة عاشوراء هو مَن نعيش هذه الأيام ذكراه، ألا وهو سماحة آية الله المجاهد الشهيد الشيخ نمر باقر النمر، فنحن في هذه الأيام نعيش الذكرى الرابعة لاستشهاده، فمع مرور اربع سنوات على استشهاد الشيخ الفقيد، وفي هذه الايام تحديداً، نشهد أن مدرسة عاشوراء تخرّج لنا قائدان شهيدان، هما؛ الشهيد القائد قاسم سليماني، والشهيد القائد ابو مهدي المهندس، فبعد عمر طويل من الانتماء لها وعبور مراحل من التضحية والفداء والجهاد والعمل في سبيل الله يحققون أمنيتهم ويحصلون على الشهادة التي كانوا يبحثون عنها.
فياترى ما هذه الشهادة وما حقيقتها التي جعلت كل من انتمى لمدرسة عاشوراء يقضي عمره في البحث عنها ويتمنى الحصول عليها؟
ولكي نعرف حقيقة الشهادة وماذا تمثل وماذا تعني؟ نستمع إلى الأستاذ في مدرسة عاشوراء التي تخرج منها وحصلها فيها على أعلى المراتب، وهي الشهادة لنستمع إلى القائد الشهيد الشيخ النمر ليحدثنا عن بعض معاني الشهادة وحقيقتها:
إنّ الشهادة هي وسيلة العزة والكرامة ووسيلة الحرية والأمن، لأن الطغاة يرهبون الناس ويهددونهم ويجبروهم على الخضوع لهم، ويسلبونهم حريتهم حتى يستعبدونهم ويتسلطوا عليهم. ولكن من وطّن نفسه على الشهادة ولم يخف من الموت، فإنه سيتحدى الطغاة والمستكبرين ويسترجع كرامته وحريته منهم، اما مَن يخاف من الموت فإنه سيخضع لهم ويبيع عزته وكرامته.
فالشهادة هي وسيلة الكرامة والحرية في الحياة، وهي التي ترفع الإنسان ليكون من الأبرار بعد الموت، فالإنسان اما أن يعيش في هذه الدنيا بكرامة ويكون من الأحرار أو أنه يستشهد ويموت ويكون من الأبرار.
إنّ الشهادة هي أعظم سلاح يمتلكه المؤمنون الأحرار في وجه الطغاة المتكبرين، وهي السلاح الذي لا يمكن أن ينكسر ولا يستطيع أحد من الطغاة مواجهته وتحطيمه، لأن كل شهيد يسقط يتحول إلى رمز وإلى ايقونة وإلى استاذ في التضحية والجهاد ومقارعة الظالمين، ويخرج من بعده المئات من المجاهدين والشهداء، إذ أن الشهيد عندما يستشهد فإنه يفتح فرعا لمدرسة عاشوراء مدرسة البطولة والفداء.
إنّ الشهادة هي طريق وقنطرة تنقل الإنسان من البؤس والضراء والحياة الفانية إلى الجنان الواسعة والحياة الأبدية.
والشهادة هي الوسيلة التي يستطيع الإنسان من خلالها التخلص من حساب الآخرة، وهي الوسيلة التي تطهر الإنسان، إذ أنها بأول قطرة دم تسقط من الشهيد تغفر له جميع ذنوبه، وأنه لايسقط على الأرض وإنما يسقط مباشرةً بحضن حور العين، فالشهادة هي الفاصلة التي تفصل الإنسان عن جناته.
فهذا الشيخ الشهيد النمر قد فهم معاني الشهادة وحقيقتها لذلك عشقها، وكانت أمنيته الوحيدة وهو الذي كان يقول “معشوقتي الشهادة” وكان يردد ويقول بعد كل شهيد يسقط “أنا الشهيد التالي”.
لقد قضى شهيدنا الغالي عمرا طويلا من الجهاد والتضحية والبطولة والفداء في المنطقة الشرقية، يقارع الظلم والانحراف في بلاده (السعودية).
درس العلوم الدينية، وبلغ مرتبة الاجتهاد ولكنه لم يَفصل بين العلم والجهاد، لقد مارس عمله الرسالي بكل إخلاص وتضحية، وربّى الكثير من العلماء والمفكرين والمجاهدين، وسعى طوال حياته ليخدم التشيع، ويرفع رايته عاليا، وكان دائما عونا للمظلومين والمستضعفين، وخصما للظالمين والمستكبرين، لقد اخذ يدافع عن الحق ويعمل به ويقاوم الباطل ويرفضه، ولم يخف من الموت ولم تأخذه في الله لومة لائم، فبعد مشوار طويل من العمل الرسالي الجهادي ختم حياته بمعشوقته الشهادة ولقد جمع بين مداد العلماء ودماء الشهداء ولقد كان حقا خريج مدرسة عاشوراء.
فسلام عليه وعلى جميع الشهداء، يوم ولدوا ويوم ماتوا ويوم يبعثون أحياء، وجعلنا الله من السائرين بخطاهم ورزقنا على الشهادة على نهجهم.