المشي لزيارة الأربعين و الإصلاح الحقيقي

0

ما علاقة المشي في زيارة أربعين الامام الحسين، عليه السلام، بإصلاح الاوضاع السياسية والاجتماعية في الامة؟
الفساد المتغوّل في مؤسساتنا الحكومية، في معظم البلاد الاسلامية –إن لم نقل جميعها- يحتاج الى عمليات جراحية مع التضحية بشيء من الدماء، كما حصل مؤخراً في العراق، ومن قبلها في البلاد الاسلامية والعربية، كلٌ حسب حجم الورم وخطورته وما يستوجبه من دماء وتضحيات، ولم تتحرك الحكومة في بغداد –مثلاً- إلا بعد سقوط أكثر من مئة شهيد وعشرات الجرحى في شوارع بغداد وسائر المحافظات، لتعلن بعض الاجراءات من باب التهدئة وتطييب الخواطر لا أكثر.
وكل هذا صحيح، بل يمكن عدّه امتداداً للحراك النهضوي المدوّي للإمام الحسين، عليه السلام، يوم عاشوراء، وأن العراقيين، وعلى طول الخط، يقرنون قضاياهم المطلبية مع الحكام، بالقضية الحسينية، وكيف أنها انتصرت بدمائها وتضحياتها على سيف و وزيف الأمويين.
الصحيح ايضاً؛ أن محور النهضة الحسينية، وشعار الإمام الحسين، عليه السلام، لدى خروجه الى العراق باتجاه الكوفة، هو؛ الإصلاح في “أمة جدي”، فمن هي الأمة؟ إنها ليست سوى افراد المجتمعات الاسلامية آنذاك، وفي المقدمة؛ أهل الكوفة الذين بايعوا الامام بكتبهم ورسائلهم التي بلغت الآلاف، وجاء بها الإمام الى كربلاء ليضع أهل الكوفة وأعيانهم ومثقفيهم على المحك التاريخي، ويقدم أول مصداقية لعمله الإصلاحي.
ألقى الامام الحسين، عليه السلام، وأهل بيته واصحابه كل الحجج الدامغة على من تجحفل لقتاله ونكث ببيعته، فلم يجد نفعاً، إلا حالة نادرة وفلتة تاريخية خلقها الحر بين يزيد الرياحي الذي يمكن القول أنه أول مستجيب وناصر لنداء الإصلاح الحسيني، ففي لحظة حاسمة، غيّر موقفه، ودمر جدار التضليل والخداع الأموي، وانتقل من الباطل الى الحق، ومن النار الى الجنة.
التزامن الحاصل بين اندلاع الاحتجاجات الجماهيرية في بغداد ومدن عراقية عدّة، مع قرب انطلاق مواكب زوار الاربعين، ربما يكون صدفة، وربما لا يكون، بيد أنه يكشف لنا حقيقة تهمّ العراقيين ومن ثمّ إخوانهم المسلمين ممن يشتركون معهم في إحياء ذكرى الامام الحسين، عليه السلام، أنهم يمتلكون فرصة ذهبية لتحقيق الإصلاح، بل والتغيير الحقيقي لأوضاعهم السيئة فيما يتعلق بعلاقتهم مع مؤسسات الدولة والمسؤولين الحكوميين، وما يتجرعونه منهم من مشاكل اقتصادية ومعيشية وأمنية وأدارية، وايضاً؛ الإصلاح والتغيير الحقيقي من داخل النفوس، وبات لا يختلف اليوم اثنان على أن الفساد في مؤسسات الدولة، وعند الوزير والمدير والرئيس، إنما يتغذى من الفساد الموجود في نفوس افراد المجتمع، فالرشاوى تصل الى يد الموظف من يد المواطن، والمحسوبيات والمحاصصة وغيرها من عناوين الفساد، لا تأتي إلا لتحقيق مصالح مادية لاشخاص ضمن شريحة اجتماعية معينة، وإذن؛ فالامر يعود الى المجتمع.
نزعة التطاول والاستئثار وكل اشكال التجاوز على حقوق الآخرين، مردّه الى خصال وصفات اخلاقية في النفس قابلة للنمو، وايضاً للمكافحة ضمن قاعدة الصراع التي كشف عنها القرآن الكريم: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا}، فلدينا الحسد، والأنانية، والكذب، وغيرها من الصفات الذميمة، كما لدينا سلسلة من الصفات الحسنة والحميدة في مساحة لا بأس به في المجتمع، وعندما نكون أمام مهمة مكافحة الفساد والتخلص من الازمات والمشاكل التي تحيط بنا، فعلينا أن نوسع من مساحة هذه الشريحة في المجتمع لتأخذ دورها في الإصلاح من داخل النفس، ومن ثمّ الانطلاق منها الى الواقع الخارجي. وكلما تراجعت رقعة {خَابَ مَنْ دسَّاهَا}، كنّا اقرب الى الإصلاح والتغيير في مؤسسات الدولة.
في جلسة مع احد الاصدقاء، روى لي أحدهم قصة معبّرة من الخيال، بأن في إحدى البلاد كان ثمة حاكماً ظالماً وشعب تسوده الأخلاق الحسنة والتعاون والتكافل وغيرها من الفضائل، كلما اراد هذا الحاكم فرض سياساته الظالمة لم يتمكن، لأن الناس كانوا يواجهونه بسهام الليل، وهو؛ الدعاء، فينزل عليه العقاب الإلهي او يصاب بعجز غريب يحول دون تنفيذه لاجراءاته، فتحيّر في أمر هؤلاء الناس، ماذا يصنع للسيطرة عليهم؟
أحد مستشاريه أشار عليه بأن يأمر كل انسان أن يأتي بصاعٍ من الطحين، وبيضة واحدة الى القصر، فتعجب الملك، ولكنه طبق المشورة، فجاء الناس زرافات الى القصر وهم يحملون ما طلب منهم الملك، فتجمع في القصر ما يشبه التل من الطحين، وفي جانب آخر، كميات كبيرة من البيض، هنا توجه المستشار الى الملك بأن يأمر الناس ان يستعيد كل واحد ما جاء به من الطحين والبيض، وخلال لحظات سريعة حصل مشهد غير متوقع وعجيب، حيث تدافع الناس للاستحواذ على أكبر كمية من الطحين، أما البيض فصار بين الارجل!
أمام هذا المشهد المثير عاد المستشار الى الملك وقال: الآن بإمكانك التصرف بما تشاء مع هؤلاء الناس، وبالفعل أصدر اجراءاته القاسية والظالمة بحقهم، و أولها كان تصفية الأخيار وكبار القوم، فضرب أعناقهم، فتصور الناس أنهم بعدُ يمتلكون تلك الحصانة المعنوية، فدعوا الله مخلصين له في الليل والنهار، ولكن دون جدوى ولا استجابة، والنتيجة أن راحوا جميعاً تحت عجلات الظلم والطغيان والفساد.
وعليه؛ كما أن الشعائر الحسينية بمختلف اشكالها كانت وما تزال، الباب الواسع لتغيير النفوس، والدلائل على ذلك لا تُعد طيلة العقود الماضية، فان الحراك المطلبي والتظاهرات الاحتجاجية المتزامنة مع هذه الشعائر، اذا ارادت ان تنجح في تحقيق اهدافها المشروعة، ما عليها سوى الاستلهام من دروس المشي في زيارة الاربعين، ومن برامج إحياء ذكرى النهضة الحسينية التي أحيت في النفوس شعلة الإصلاح والتغيير الذاتي في خطوة أساس على طريق تغيير الواقع الفاسد.