حتى لا يبقى الشباب وحيدين في ساحة التظاهرات

1

لأول نظرة سريعة على جموع المتظاهرين في مختلف مناطق العراق، بالامكان ملاحظة الحضور الشبابي اللافت فيها، فالاعمار لا تتجاوز بكثير عن العشرين سنة، والقاسم المشترك لحالتهم الاجتماعية –على الاغلب- أنهم من الخريجين وحملة الشهادات الباحثين عن فرص عمل، و إن لم يكونوا من المتعلمين، فهم من جيش البطالة الكبير في العراق، ولا تجد بين الجموع الغاضبة في الشوارع، من شريحة المعلمين واساتذة الجامعات، او من المهنيين، مثل؛ الاطباء او المهندسين، او المحامين، او من موظفي الدولة، او منتسبي الاجهزة الامنية والقوات المسلحة، وايضاً الغياب ملحوظ من الكسبة وشريحة التجار ومن ينتسبون الى السوق.
قبل أيام من اندلاع الاضطرابات في بغداد وسائر المدن العراقية، كانت بغداد تشهد عدة اعتصامات لحملة الشهادات العليا مطالبين بالاستفادة من كفاءاتهم العلمية وتوفير فرص عمل لهم، ومنهم الاطباء البيطريون الذين طالبوا بتعديل في قانون الدرجات الوظيفية ليسمح لهم بفرص تعيين شأنهم في ذلك شأن خريجي المجموعة الطبية، وقد نظموا اعتصاماً أمام المنطقة الخضراء ولعدة أيام، ومع وصول انباء عن حدوث شيء في الأفق، دعى منظموا اعتصام البيطريين بالتفرّق وإنهاء الاعتصام فوراً.

  • الشباب والحاجة الى تقنين الحماس

من المعروف أن الشباب بين سن الثامنة عشر، والخامس والعشرين، تمثل ذروة النشاط الذهني والبدني، فيكون الشاب متحفزاً على الدوام للظهور على الواقع الاجتماعي لتحقيق ذاته ووجوده على أمل تحقيق شيء ما، هذا في الظروف الطبيعية، أما اذا كانت الاوضاع غير طبيعية وثمة منغّصات وتحديات من قبل الدولة، بأي شكل من الاشكال، فان هذا النشاط يتحول الى غضب وغليان يظهر منه الحماس فقط ويتوقف جانب الحكمة والتعقّل وأي نشاط ذهني – في أكثر الحالات- لاسيما اذا كانت الظروف المحيطة بهؤلاء من السوء أن تضعهم في نهاية الطرق المسدود، مع جرعات متزايدة من الاستفزاز، فالشاب لا يفكر في ظل ظروف كهذه، إلا بشخصيته الضائعة، وانه موجود عديم الفائدة في الحياة، فلا الدولة تلتفت اليه، وربما المجتمع يقسوا عليه احياناً بوسمه بانه مصدر المشاكل، والتمرد على التقاليد والاحكام.
هذا الشعور لا نجده عند الشرائح الاخرى في المجتمع، مثل المتعلمين واصحاب المتاجر والمهن الحرّة، والسبب في ذلك؛ أن هؤلاء من الصعب استدراجهم الى الشارع والقيام بأعمال كالتي نشهدها في المدن العراقية، مثل حرق إطارات السيارات، او إضرام النار في المباني الحكومية، او رشق الشرطة وقوى الأمن بالحجارة وأمثال ذلك، وإن كانت ثمة اسباب قوية داعية لذلك، فان الشريحة المتعلمة والكبيرة السن –تقريباً- ستطرح جملة اسئلة على من يدعوهم للتظاهر العنيف في الشوارع، بخصوص الاهداف الحقيقية من وراء، وتحديد المطالب وتوحيدها لإيصالها الى أسماع المعنيين، كما يحصل في جميع بلدان العالم المتحضّر.
وهذا لا يعني تصنيف الشباب بانهم المتحمسون دون ضوابط دائماً، وإلا فان الحماس التفاعل نجده في سائر شرائح المجتمع، ومنها النساء في ظروف استثنائية مثل الحروب والازمات الاقتصادية، حيث يظهر دور المرأة بشكل بطولي ومميز، وتسهم في بث الحماس والعزيمة في نفوس الرجال لمواجهة التحديات الخارجية، كما نراها تعمل على استيعاب الازمة الاقتصادية، بسبب الحروب أو الكوارث وغيرها، كما هو الحال بالنسبة لشرائح اخرى في المجتمع عندما يشعرون أن مصيرهم مشترك وعليهم تحمل المسؤولية، إنما المهم في هذا السياق؛ نقل هذه الروح الحماسية المتأطرة بالعقل والحكمة الى شريحة الشباب، من خلال نشر ثقافة السؤال، والتحقق من المعلومات والافكار المطروحة من خلال القنوات الفضائية او مواقع الانترنت.
ربما أتمكن من الجزم أن معظم الشباب الغاضبين في المدن العراقية، لم يصل لبيوتهم رجل مثقف، او عالم دين، او خطيب، فكيف يتحصّل الوعي، اذا تنعدم القراءة، وينقطع السمع، ولا صلة بأهل الفكر والثقافة والعلم؟

  • المآل المحزن دائماً من نصيب الشباب المتحمّس

من حيث المبدأ، فان خروج الشباب الى الشوارع لم يأت من فراغ، فهناك اسباب وعلل تعود جميعاً الى فشل السياسات الحاكمة، وتفشي الفساد والظلم والحرمان، فلامجال لمناقشة مشروعية التظاهرات الاخيرة في العراق، وما سبقها من حراك جماهيري في السنوات الماضية، إنما المشكلة في أسلوب التظاهر والاحتجاج، وهو الذي يؤثر بشكل مباشر على طريقة تعامل الجهات الحكومية مع هذا الحراك، لاسيما وأن الدستور يكفل هذا النشاط ضمن الحريات الجماعية، ويتعين على وزارة الداخلية ومؤسساتها إصدار تراخيص للمظاهرات المطلبية وتوفير الأمن لها، كما هو معمول به في عديد البلاد المتحضرة، وعدم تضييع الوقت في البحث عمن يقود التظاهرة، او الجهة وعنوانها وتاريخها، فالخروج الى الشوارع له ضوابطه التي يلتزم بها كل انسان سويّ يحترم نفسه والآخرين، ويجد مصالحه ومطالبه من مصالح جميع افراد المجتمع، لذا فان توقع حصول اضطرابات من شريحة الشباب، والاستعداد لهم بقوات “مكافحة الشغب” والآليات الخاصة بضخ المياه الشديد وغيرها من وسائل القمع، كلها تنبئ عن وجود خلل ليس في التظاهرات المتظاهرين، وإنما قبل هذا؛ في المنهج السياسي المتبع لدى مؤسسات الدولة، فليس من الصعب احتواء تظاهرات او تجمعات شبابية مهما كانت الدوافع، بدلاً من خلق أجواء توتر واضطراب في الشوارع، كما حصل مؤخراً في العراق.
إن التظاهرات الاخيرة، وربما التي تأتي بعدها، خلقت مشاعر سلبية وخطيرة للشباب إزاء المجتمع الذي يعيش فيه، وايضاً إزاء الدولة ومؤسساتها في آن، وهذا من شأنه تعقيد المشكلة، فاضافة الى الحرمان والتهميش في فرص العمل والحياة الكريمة، تنمو لديهم مشاعر الخذلان ممن تركوهم وحيدين في الساحة، وقد قالها أحدهم متسائلاً عن سبب غياب الاطباء والمهندسين والموظفين والكسبة وأهل السوق عن هذه التظاهرات؟ وهل يا ترى أنهم يعيشون – والكلام لكاتب السطور- بحال أفضل من الآخرين، ولا يجدون ثمة مشكلة وأزمة في حياتهم في ظل الوضع السياسي القائم؟!
في الوقت الذي تجهد الحكومة العراقية برئاسة عادل عبد المهدي، ومعه مجلس النواب في امتصاص نقمة المتظاهرين وتلبية مطالبهم، عليهم التفكير اكثر، وعلى المدى البعيد، بأن لا يتركوا شريحة الشباب وحدهم في الساحة بعد هذا، فاذا كانت الشرائح الاخرى مأمنة مادياً، ولديها قوة التفكير والتدبير، فان شريحة الشباب تفتقد لهذه الامكانات فسيولوجياً، بينما تمتلك القوة العضلية الهائلة التي إن لم توجه في الطريق الصحيح، فانها –قهراً- ستكون في اتجاهات بعيدة عن مصالح المجتمع والدولة على حد سواء.