لماذا يثيرون المشاعر العاطفية في العراق؟

0

في مسلسل استثارة المشاعر في العراق منذ عام 2003، يأتي اليوم دور استثارة المشاعر العاطفية بعد مشاعر الخوف من الموت علي يد الجماعات الارهابية والتكفيرية، ثم إثارة مشاعر الإحباط والخذلان من الأداء السياسي بشكل عام، وذلك عبر قرارات غير مدروسة يُريد منها اصحابها ان تكون جزءاً من الحل، بينما الواقع يؤكد أنها خطوة أخرى في الطريق المنحرف عن الإصلاح وإنقاذ هذا البلد المأزوم.
قرار إزالة المساكن العشوائية، او ما يسمى في العراق “التجاوز”، والصادر من رئاسة الوزراء، وطبق في البصرة وكربلاء المقدسة بشكل ملحوظ، يمثل مطلباً قانونياً لا يجادل فيه أحد، ومنهم سكان هذه المناطق، إنما يسوقون التبريرات بأن ضغوط الحياة هي التي اجبرت الكثير منهم على هذا الخيار، فالأسرة الفاقدة معيلها، او من هي على حافة الفقر والمجاعة، لا ترغب بالعيش في مساكن مصنوعة من الصفيح، وتفتقد للخدمات الاساسية، ولكن؛ المشكلة في منهجية القرار وصياغته، ثم في طريقة تنفيذه، وقبل هذا وذاك؛ التوظيف غير الشريف لبعض الجهات السياسية.

  • إطلاق العنان للمشاعر العاطفية

و لعجز الحكومة، وحتى البرلمان والقضاء، في صياغة تعريف قانوني لـ “التجاوز”، وانه يفترض ان يشمل المتجاوزين على الأرصفة ايضاً، وتشييد الابنية العالية والابراج فوق البيوت، الى جانب تجاوزات اصحاب المناصب العليا والمتنفذين في الدولة مهما كانت المسمّيات، فان هدم عدد من هذه الدور في بعض أحياء كربلاء خلق موجة من مشاعر الغضب والاستنكار، بل كان القرار بمنزلة السيف الذي شقّ صفوف المجتمع نصفين؛ من تضامن وتعاطف مع السكان الفاقدين لبيوتهم، في مقابل من يتكلم بلغة القانون، وأن هؤلاء عليهم الرحيل دون أن ينبسوا ببنت شفة!
وفي مشهد آخر تم تخلق مشاعر عاطفية عارمة في ميدان آخر، عندما أمر جهاز “مكافحة الشغب” التابع لوزارة الداخلية آلياته المخصصة لهذا الغرض بفتح ألسنة المياه الشديدة الاندفاع باتجاه خريجي وخريجات الدراسات العليا، فيما كانوا يطالبون في مسيرة احتجاجية بالعاصمة بغداد، الحكومة بتوفير فرص عمل لهم، ألسنة المياه القوية ضربت شباب وشابات وسط الشارع وسقط الكثير من هؤلاء أرضاً في مشاهد أثارت الكثير على مواقع التواصل الاجتماعي، وهو الآخر؛ وإن لم يشقّ المجتمع نصفين بشكل علني، إلا انه أوجد رأياً آخراً مغايراً لهذه المطالب بدعوى عدم امكانية الدولة إضافة جحفل جديد الى جحافل الموظفين، وزيادة البطالة المقنعة والتضخم الوظيفي وغير ذلك.
هذه الطريقة من التعامل مع مطالب جماهيرية بسيطة للغاية، فتحت المجال للجميع بأن يعبر عن رأيه ومشاعره بما يرى، ونفس الشيء تفعله بعض القنوات الفضائية الموجهة عندما تعزف على وتر الفقر او البطالة لاثارة عواطف المشاهدين وحسب، وبقطع النظر عن الحكم على هذه المشاعر، فهي من حقّ اصحابها، بيد أن ما يهمنا في هذه الجعجعة التحذير من حضور قوي للمشاعر العاطفية، وغياب ملحوظ للشعور بالمسؤولية، والقدرة على التفكير في البدائل والحلول.

  • التوازن بين العقل والعاطفة

التجارب تؤكد أن ارتفاع نسبة العاطفة في سلوك الانسان، يقابله انخفاض في مستوى العقل لديه، لذا ورد التأكيد من العلماء على أمر التوازن بين الأثنين، حتى في قضايا عقدية مهمة مثل؛ قضية الامام الحسين، عليه السلام ونهضته الدامية.
وفي قضايا اجتماعية وانسانية، يكون التوازن مطلوباً بشدّة لخلق مشاهد التكافل والتعاون لإزالة مسحة العَوَز والحرمان من العوائل الفقيرة الساعية الى توفير لقمة العيش، او تزويج شبابها، او توفير المسكن اللائق، او تغطية تكاليف التعليم والصحة وغيرها، وهو ما نراه جلياً في مشاريع خيرية تنظمها مؤسسات بشكل متقن وفق برامج ومناهج خاصة، وهي تعمل ليل نهار للوصول الى أكبر عدد ممكن من العوائل الفقيرة وشريحة الايتام والأرامل، وهي في ذلك تقوم بدور حلقة الوصل بين هؤلاء، وبين الميسورين في المجتمع ومن يجد في نفسه القدرة على المساعدة.

  • فرص الهروب من المسؤولية

ولو ابتعدنا قليلاً عن الواقع الاجتماعي، وما فيه من مشاعر العاطفة، او قدرات العقل والتفكير لدى شريحة من المجتمع، ونرى ما في الواقع السياسي للطبقة الحاكمة في العراق نجد أنها تبحث دائماً عن مخارج ينقذها من الفشل في كل شيء، لاسيما في مجال الخدمات وفرص العمل والتعليم، فهي تعد هذه الملفات – بالنسبة لها طبعاً- بمنزلة الطرق المسدودة لا سبيل لاختراقها، ولكن عندما تظهر شريحة في المجتمع تبتكر الحلول لما عجز عنه هؤلاء، فانهم سيكونون في موقف محرج للغاية، وتكون مصداقيتهم على المحك، بل ويكون وجودهم في منصابهم محل تشكيك جاد، لذا نلاحظ دائماً وسم أي رد فعل جماهيري، او حتى رأي من الشارع إزاء خطأ ترتكبه الحكومة أو أية مؤسسة في الدولة، على أنه “عاطفي” بدعوى بعد الناس عن دهاليز صنع القرار وتفاصيل العمل الاداري في الدولة، “وما يتجشمه المسؤولون من عناء”!
هذا النمط من التعامل مع الناس يفيد الدولة في أنها توفر على رجالاتها عناء مواجهة الفعاليات المعارضة من مؤسسات المجتمع المدني، او من الشريحة المثقفة، وحتى من عامة الناس، لأن الاثارة المستمرة للمشاعر والتلاعب بعواطف الناس، بما يقترب من سياسة “العصا والجزرة”، يسفر عن تعب نفسي بالغ يؤدي الى انعدام الثقة واليأس وتعميق مشاعر الضِعة والهزيمة النفسية لدى الناس، بينما اذا انطلق لسان الناس في التعبير عن المقترحات والافكار الحيّة والعملية المنبثقة من صميم الواقع، و ربما تكون الاقرب الى النجاح من سائر التنظيرات او الافكار المستوردة من الخارج، كل هذا سيؤدي الى خسارة أهل السلطة الكثير من الامتيازات وفرص الإثراء الفاحش على حساب حقوق الناس.
وما أسهل الحلول لأزمات مثل السكن، والعمل، والاستثمار، والتعليم، والصحة، وغيرها في بلد مثل العراق، يعجّ بالكفاءات والعقول، الى جانب الثروات الهائلة والقادرة على دفع عجلة التنمية والتطور في العراق بشكل سريع، يكفي تخصيص مجمعات سكنية واطئة الكلفة، وعلى نطاق واسع في العراق، الى جانبها الحثّ على الزراعة وإحياء آلاف الهكترات لتنتج المحاصيل الغذائية والاستراتيجية ايضاً مثل؛ الحنطة والرز وقصب السكر وغيرها، وكذلك؛ إعادة الحياة الى مئات المعامل والمصانع المجمدة والمتآكلة، بل وافتتاح مشاريع انتاجية جديدة تستوعب مئات الكفاءات والعقول الموجودة في العراق كافة.
صحيح أن هذا الكلام مكرر وليس بجديد، بيد أنه يطفو على السطح كلما ثارت مشاعر الغضب من قرار مجحف، او فشل في جانب معين يستشعره الناس، سواءً؛ الطلبة منهم، او المهنيين، او عامة الناس، كما يحصل بالنسبة للكهرباء عندما تزداد القطوعات خلال أيام الصيف. بينما يفترض ان تصدع رؤوس رجالات الدولة يومياً بالافكار والاقتراحات من كل حدب وصوب في كل ما يهمّ ابناء الشعب العراقي، حتى ما يتعلق بقوانين القضاء والسياسة الخارجية ومصير الثروة النفطية، كل هذه الملفات تحتاج الى مختصين واكاديميين ومثقفين يصيغون افكاراً بناءة تضع المسؤولين امام الامر الواقع وامام واجبهم الاخلاقي والرسمي.