هدم دور العشوائيات (التجاوز).. من المسؤول؟

0

وجود دور العشوائيات حول المدن التجارية الكبيرة، لا يقتصر على العراق، إنما هي معضلة تواجه معظم دول العالم المبتلية بأزمة السكن، إنما الفارق في الحلول ومعالجة هذه المشكلة بما لا يترك آثاراً سلبية على الشريحة الاجتماعية المقصودة في هذا الموضوع، ولا ايضاً على الوضع العام البلاد، لاسيما وأن اختيار هذا النمط من السكن، يمتد الى أبعاد اجتماعية واقتصادية وسياسية، الى جانب البعد الثقافي، وفي بلد مثل العراق –مابعد نظام صدام- يفترض انه النموذج بين كثير من الدول الاسلامية، في وجود العلماء والحكماء والمفكرين في هذه الميادين، وقد بلغ صيتهم الآفاق، فلا ينبغي أن نشهد أجواءً متوترة اجتماعياً وسياسياً لمجرد تطبيق قانون إزالة الابنية غير المرخصة من الأرصفة، ومن المناطق التابعة لدوائر الدولة وتعود لمشاريع خدمية عامة.
وبما أن ظاهرة سكن العشوائيات (التجاوز) كما في التعبير العراقي الدارج، مثله مثل ظاهرة الفقر والبطالة والأمية، تشترك في وجودها العوامل المذكورة أعلاه (الاقتصاد والاجتماع والسياسية والثقافة)، فان المعالجة يجب ان تكون مشتركة ومتظافرة ايضاً، لا الاقتصار على إصدار قرارات متسرعة دون مقدمات تمهيدية لضمان نجاحها، واذا التفتنا الى التوقيت، نجده هو الآخر لا يخلو من تسرّع وعدم حنكة وإلمام بالوضع الاجتماعي، حيث لم يمض سوى أيام على إحياء ذكرى عاشوراء، حيث المعروف أن النسبة الأكبر للمشاركة الجماهيرية في الشعائر الحسينية تأتي من الشريحة الفقيرة والمتوسطة، فاذا لم يكن المشارك من سكنة “التجاوز” فان جاره وصديقه من ابناء الشريحة القريبة منه، سيساعده في الربط بين مظلوميته بهذا القرار الذي يعده جائراً، وبين مظلومية الامام الحسين، عليه السلام!
الحكومة العراقية برئيسها الدكتور عادل عبد المهدي تتحدث بلغة القانون، وتتعكّز عليه للسير قدما في تطبيق هذا القرار، وهي تعرف قبل غيرها أن الغائب الأكبر في مؤسسات الدولة بعد 2003 هو القانون قبل غيره، وما يزال مجلس النواب حائراً أمام قوانين عدة بحاجة الى الصياغة والبلورة والتصويت عليها، وإن وجدت، فان السلطة التنفيذية حائرة هي الاخرى في كيفية تفعيل وتنفيذ هذه القوانين في ظل تسيّد الفساد وتغوّله فيما بعد بحيث بات حجم القانون في معظم مؤسسات الدولة يبدو مضحكاً!
ولذا فان الحكومة لا يحقّ لها تعويض الإهمال الغريب طيلة السنوات الماضية لهذه القضية، بإصدار قرار تحت راية القانون، بإزالة دور العشوائيات مرة واحدة وفي جميع محافظات العراق، في حين كان المفترض ان تبدأ خلال السنوات الماضية بإنشاء أحياء سكنية بشكل عمودي مخصصة لذوي الدخل المحدود، وفي جميع المحافظات لمن تنطبق عليه الشروط، ويأتي هذا ضمن إعلان رسمي في وسائل الاعلام يقطع الطريق على المشككين، ويسحب الحجج عن المتشبثين بنمط السكن العشوائي.
وبما أن ثمة نسبة لا بأس بها من سكان هذه المناطق ممن يعيشون تحت خط الفقر، ويعانون شظف العيش، وفيهم أيتام وأرامل وفاقدي المعيل، فان هؤلاء سيكونون أسرع من غيرهم في قبول العروض الحكومية لانهم امام عرض لتمليك دار ضمن مجموعة سكنية منظمة وآمنة ومخدومة بشكل كامل.
هذا الطموح الذي يبدو للبعض بانه خيالي او مثالي، ممكن تحقيقه اذا تظافرت الجهود من مؤسسات حكومية واجتماعية وثقافية بقيادة الدولة التي تمتلك الامكانات والقدرات للتنفيذ.
فهل للحكومة العراقية قاعدة بيانات عن سكنة هذه المناطق العشوائية في العراق طيلة الخمسة عشر عاماً الماضية، لتعرف حقيقة الوضع الاقتصادي والمعيشي لهم؟
إن الحسينيات والمساجد وسائر المؤسسات الاجتماعية والثقافية في العراق، وهي لا تُعد ولا تحصى، من شأنها المساعدة على إنشاء قاعدة البيانات هذه، كونها أقرب الى واقع الناس من غيرها من مؤسسات الدولة، فهي قادرة عن تحديد العوائل المجبرة حقّاً على العيش في العشوائيات بسبب ضغوط المعيشة لاسباب مختلفة، بينما الذي حصل مؤخراً أن هذا الاجراء جاء في اللحظات الحرجة والحساسة جداً، وبعد أن تحركت آليات الهدم التابعة لبلدية كربلاء، وهدمت عدداً من الدور، مما أثار موجة سخط لدى ابناء الشريحة الفقيرة فتوجهوا الى مبنى المحافظة للاحتجاج، فجاء الرد السريع من المحافظة بوقف أعمال الهدم، وإصدار بيان يستثني من الهدم أولئك الذين نتحدث عنهم في قاعدة البيانات المفترضة، فكيف يا ترى يتمكن مجلس محافظة كربلاء، وشخص المحافظ، والدوائر الحكومية المعنية من تطبيق الشروط الواردة في البيان الذي وقع عليه نائب المحافظ السيد جاسم الفتلاوي، وقد تحولت العشوائيات الى قضية عاطفية بامتياز؟
نعم؛ القانون، وسيلة لحفظ النظام وإحقاق الحقوق الى درجة ما، ولكن ليس بمقدوره تحقيق العدالة بين الناس، لان العدالة بحاجة الى رؤية شاملة ومعمّقة للوضع الانساني وايضاً لأحكام الشريعة المعنية بتطبيق المفاهيم والقيم الدينية بالشكل الصحيح، فمن هو الفقير؟ ومن هو الذي بحاجة الى مساعدة ومعونة؟ وغيرها من الاسئلة التي تبحث الاجابة عنها ضمن معايير وضوابط خاصة في المنظومة الاخلاقية والشرعية، بما يعني حاجة الدولة الى الدين لمعالجة هذه الظاهرة، كما تحتاجه ايضاً في مكافحة الفقر والبطالة والأمية، وقضايا ذات ابعاد اجتماعية واقتصادية، مما يسهل المهمة ويضمن القدر الأكبر من النجاح، والأهم من ذلك؛ يجنب الناس مضاعفات الفشل في عمليات التنفيذ غير المدروسة، فبدلاً من أن نحل مشكلة نخلق مشاكل اكثر تعقيداً.