مشاعر الحزن والعزاء باب للتغيير والإصلاح

1

يحدثنا التاريخ الفرنسي عن قيام المجتمع الفرنسي بثورة كبيرة على نظام حكمهِ الفاسد ، من خلال استثارتهم عن طريق مسرحية شعبية استنهضت مشاعرهم ورفعت معنوياتهم فخرج المتفرجون بعد انتهاء العرض المسرحي بثورة عارمة، ورفعوا شعارات مناهضة للحاكم الظالم وطالبوا بتغيير واقعهم الفاسد.
لم يحمل المجتمع الفرنسي آنذاك غير شعار العدالة الاجتماعية ، فمجرد عمل مسرحي جدد فيهم الروح الوطنية والوحدة الاجتماعية تحت راية الحقوق العامة.
وإذا اردنا ان نضع هذا المشهد أمام مشهد عاشوراء، وقيم نهضتها ومبادئ سلوكها الطاهر، نلاحظ حجم الفارق الكبير بين قيم الثورة الفرنسية، وقيم الثورة الحسينية واختلاف طبيعة المجتمعين، فكيف لعمل مسرحي بسيط يقوم بهذا الدور الكبير، بينما لا تستنهضنا قيم عاشوراء الحسين (عليه السلام) مع ما فيها من طهارة واخلاص وصدق وولاء لله –تعالى- و رسوله الكريم (صلى الله عليه وعلى آله ) إذ تستند عاشوراء على مبدأ طهر الغاية والوسيلة ، لذلك كانت كل مفردات النهضة الحسينية و ادبيات التحرك العاشورائي تملك عنصر الثبات الدائم خارج إطار الزمان والمكان ، فمفردة الحزن وديمومته عبر الأجيال، لم يكن في يومٍ من الأيام حالة طبيعية تتجدد بتجدد الذكرى، محافظة على وهجها العاطفي وحركيتها في الواقع الاجتماعي، كما حدث ويحدث مع ذكرى عاشوراء وما جرى فيها ، إذ لم نشاهد أي حالة حزن في التاريخ إلا وذهبت طيّ النسيان البشري ، وهذا ما يحدث لنا جميعاً مع اقرب الاشخاص الينا، لذا فإن استمرار حالة الحزن وتجدده بصورة اقوى ليس أمرًا طبيعيًا ابدًا.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد بل يتعداه إلى استشعار القيم المعنوية للحزن، وأثر العزاء الدائم لإدراك مستوى التأثير العاطفي على توجيه الجماهير وتصحيح المسار الذي هم عليه، وكأن عاشوراء باتت هي الحد الفاصل لمعرفة مبادئ المجتعات واساسيات تكوينها، إذ لا شك ولا شبهة في أن المجتمع الذي يعلو فيه صوت المطالبة بالعدالة ورفض الظلم هو مجتمع يستقي من منهل عاشوراء الحسين (عليه السلام) ومن قيمها الإنسانية السامية ، وفرق كبير عن المجتمعات الخانعة للظلم الساكتة عن حقوقها وحقوق اجيالها فهي بعيدة كل البعد عن منهج الرسالة الحسينية، لذلك كان كل من ينتمي لعاشوراء تراه يُدرك قيم الحق ومبادئ الرسالة ويستشعر معاني الصدق بضميره ووجدانه، من هنا يتضح لنا قدرة القيم الحسينية على رفد الواقع الاجتماعي بأساسيات التغيير وبناء الذات الإنسانية والسير على منهج الوحي لا منهج يزيد واتباعه .

  • عاشوراء في ضمائر الامة

ولكن يبقى السؤال؛ هل حققت عاشوراء مبتغاها ؟
وما هو حجم الاستفادة من قيمها في صناعة التغيير ؟
وفي معرض الإجابة عن هذا السؤال لابد من ملاحظة الأسس والمبادئ لثورة سيد الشهداء (عليه السلام) أي البحث في المنطلقات الأولى لعاشوراء ، واجمالًا؛ أشير لها بصورة مختصرة وأقول:
كانت هناك العديد من الأساسيات لنهضة الإمام (عليه السلام ) وفي مقدمتها إقامة العدالة الاجتماعية وارجاع الحقوق المسلوبة واحياء قيم الشريعة الإسلامية المندثرة، وهذا أن دل على شيء إنما يدل على أن عاشوراء كانت صرخة مدوية بوجه الظالمين لإجراء التغيير وإصلاح ما افسده الآخرون ، وهذا ما يؤكده الإمام الحسين (عليه السلام ) بقوله : (إِنّى لَمْ أَخْرُجْ أَشِرًا وَلا بَطَرًا ، وَلا مُفْسِدًا وَلا ظالِمًا ، وَإِنَّما خَرَجْتُ لِطَلَبِ الإصْلاحِ في أُمَّةِ جَدّي ، أُريدُ أَنْ آمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهى عَنِ الْمُنْكَرِ ، وَأَسيرَ بِسيرَةِ جَدّي وَأَبي عَلِيّ بْنِ أَبي طالِب ).
من هنا يظهر لنا بوضوح جواب الشطر الأول من السؤال وهو : نعم حقتت ثورة عاشواراء مبتغاها لأنها بقيت حية في الضمير الإنساني والوجدان الإسلامي ، فقد كانت عاشوراء عبارة عن ثورة للتغيير وإقامة الحق والعدل .
أما ما هو حجم استثمارها لصناعة التغيير ، فذلك مرهون بعدة أمور أهمها ما يأتي :
١- درجة الوعي الديني بثورة عاشوراء وجميع ملابساتها، ولا يحصل ذلك إلا بالاطلاع التام على تاريخ الثورة وما قبلها وما بعدها ، لأن ما جرى في كربلاء كان له مسبقات فكرية منحرفة ضاربة في عمق التاريخ ، ولم يكن وليد يومه ، كما ورد في موسوعة كلمات الإمام الحسين (عليه السلام) حين توجه نحو القوم، وقال: يا ويلكم! على مَ تقاتلوني، على حق تركته، أم على سنّة غيرتها، أم على شريعة بدلتها؟!
فقالوا: بل نقاتلك بغضا منا لأبيك! وما فعل بأشياخنا يوم بدر وحنين!
هذا النص التاريخي يُبين حجم الحقد والبغض المتوارث لديهم ، وحين لا نُدرك ذلك لا نتمكن من معرفة حقائق السلوك الحسيني في مسيرته الخالدة .
٢- التشخيص الدقيق لمفاهيم الثورة من خلال روايات الأئمة (عليهم السلام) وإشاراتهم حول مبادئ الثورة الحسينية ونتائجها ، إذ لا شك قيام الأئمة (عليه السلام) بإيقامة العزاء بقلب بحزين لإحياء عاشوراء الحسين (عليه السلام) إذ أوّل مجلس أُقيم بعد استشهاد الإمام نصبه الإمام السجاد زين العابدين (عليه السلام) في الجامع الأموي في الشام ، عندما خطب في ذلك الحشد، وأخذ ينعى أبيه ويُعدّد صفاته ويوضح مظلوميته والناس من حوله يبكون، فقد بيّن الإمام السجاد ( عليه السلام) النقاط الرئيسية المتعلقة بالإمامة وما لها وما عليها ، وصحح في مجلسه هذا المفاهيم المغلوطه المُشاعه ظلمًا وزورًا حول الأئمة (عليهم السلام) وحول سيرتهم.
٣- استثمار قيم عاشوراء من خلال تصديرها للعالم عبر مختلف الوسائل، وايصالها إلى ابعد نقطة على وجه المعمورة ، فإن ذلك يساعد على جعل القضية الحسينية مسألة عالمية ينادي بها احرار العالم اجمع .
٤- توظيف مبادئ الثورة الحسينية لمعالجة الظرف الراهن للنهوض بالواقع المعاصر ، وهذا من أهم المواضيع المُؤَمَل تحقيقها ، إذ الشعارات الحسينية حول العدالة الاجتماعية وانقاذ الدين الاسلامي واحكامه من الضياع والاندثار ينبغي أن تُرفع اليوم بإسلوب عصري حضاري متقدم ، لاجل ممارسة التغيير الذي ننشده ، ولكن القدرة على التغيير الاجتماعي تنطلق من التغيير الذاتي للإنسان المؤمن لأنَّ ( … الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم) سورة الرعد الآية ١١، لذلك لا نستغرب بقاء الأمة على حالها بعد كل هذه السنين البعيدة من ثورة عاشوراء ، والسر في ذلك أن هذه الثورة لم تعش في وجدان الأمة كمصدر للطاقة والحركة والعمل الدؤوب لتوفير الحرية والعدالة والأمن والعزة وجميع المبادئ والاخلاقيات الاجتماعية ، بل عاشت في ضميرها ووجدانها كحادثة تاريخية يتم استذكارها عند حلول شهر محرم الحرام بعيدًا عن استثمارها في الواقع الاجتماعي.

  • التفاعل الاجتماعي ودروس الثورة

وإذا اردنا ان ننتقل من القراءة التاريخية إلى القراءة المعاصرة للواقع الاجتماعي وملاحظة مدى تأثير القيم العاشورائية على واقعنا ، سنلاحظ شدة الارتباط الاجتماعي مع مبادئ الثورة الحسينية ومنهجها الالهي فقد أراد الإمام (عليه السلام) لعشوراء أن تبقى في ضمير الأمة وفي سلوكها وحركتها ضد الظالمين عنصر تُحرك ووعي وبسالة ونهوض وتقدم وازدهار ووفاء وصدق وتضحية وحب واحترام وخير مثال على ذلك الحشد الشعبي وسرعة استجابته لفتوى الجهاد المقدس وحجم الالتحاق بساحات الجهاد ، لا أن تبقى عاشوراء مجرد حادثة وقعت وانتهت في زمان ومكان معينين ، بل أن تستمر ما استمرت ظروفها ووجدت مقوماتها.
ولكن؛ كيف لعاشوراء أن تستمر في ضخ الوعي الاجتماعي هذا الاستمرار الفاعل ، يتحقق من خلال إحياء القضية الحسينية بما يتناسب مع حجم الواقعة، وحجم قائدها وطهارة دمه المبارك ودماء الشهداء جميعًا ، ولعل ابرز احياء عصري يقيمه المجتمع اليوم هو عبر إقامة الشعائر الحسينية الرصينة المؤذون بها من قبل مراجعنا العِظام والابتعاد عن كل ما يشوه صورة الاسلام الناصعة ويزرع الفرقة بين أبناء البلد الواحد، فينبغي لهذه الشعائر ان تكون منطلقًا لصناعة التغيير وتصحيح المسار ما امكن لذلك سبيلا ، إذ لم تكن واقعة عاشوراءفي حقيقتها إلا لصناعة التغيير وايجاد الاصلاح العام في أمة محمد (صلى الله عليه وعلى آله).