موسم التغيير

0

نلاحظ وبصورة جليّة مدى شغف الطائفة المؤمنة لاستقبال ايام عاشوراء، تلك الأيام الزاخرة بصنوف شتى من المبادئ الأخلاقية والاجتماعية والجهادية.

و المعروف ان خلود المبدأ يعني التزامه بالقيم الصحيحة التي رسمتها الخارطة الإلهية، لذا نجد ان الكثير من الثورات والنهضات لم يكتب لها هذا الخلود ربما لانحرافها عن تلك الخارطة او انها  لاقت نصراً آنياً مؤقتا زال مع مرور الوقت.

بيد اننا نجد ان تلك النهضة العاشورائية التي قادها سيد الشهداء قد حصدت كثير من الأهداف، وعلى كافة الاصعدة في حين انها انتهت بمأساة حقيقية.

أجل أن هناك كثيرون يعتقدون أن الإمام الحسين قد غامر بحياته وحياة أهل بيته إبان قدومه للعراق على اعتبار ان نتائج المعركة محسومة.

لكن العقلاء لاينظرون الى هذا الحدث العظيم وتلك المعركة المهولة بمنظار ضيق وبقصر نظر، لان افضل الانتصارات ما كان ثمارها وافراً وحاصلها قد أحدث تغييراً في المعمورة وخارجها.

فما ان أقبل صبح الحادي عشر حتى استفاقت الأمة من السبات الذي أطبق على اجفانها، و أثمل عقلها، فانكشف لها الغطاء، وبانت لها السريرة الفاسدة للدولة الأموية، واتضح كم ان خط اهل البيت عليهم السلام يمثل حلقة وصل بينهم وبين الشريعة السماوية.

فاستيقظ فيهم شعور الابى ورفض الضيم والنهوض من اوحال الظلمة ليقارعوا يزيد المأفون ومن على شاكلته من الذين جلسوا على عرش السلطان باسم الدين والإحسان.

فابتدأت حركة التوابين، واعقبتها ثورة المختار الثقفي ثم جاءت ثورة الشهيد زيد بن علي، عليهما السلام، واذا تتبعنا التاريخ الحديث لوجدنا كثير من الثورات تحمل شعار “يا لثارات الحسين”، و “هيهات منا الذلة”،  وحتى تاريخنا المعاصر، منها؛ الثورة الشعبانية عام 1991، و قبلها ثورة العشرين ضد الاستعمار البريطاني، و انتفاضة صفر عام ١٩٧٧ عندما قرر نظام حزب البعث، منع الزائرين من السير باتجاه كربلاء مشياً على الاقدام، في الزيارة الاربعينية، والسبب وراء هذا المنع والترهيب هو الخوف من أصوات الجماهير التي أوصلت رسالة التغيير، وحدوث انقلاب رهيب على السلطة الحاكمة.

فبالرغم ان البعث انذاك قام بشن هجمات باسلحته الشديدة انذاك، وهو يحوّط الزوار بالدبابات، ومختلف اشكال الاسلحة، الا ان ذلك لم يمنعهم من الاستمرار. فرفعوا الرايات وقابلوا الرصاصات بالصدور وافواههم تصيح على الاشداق المتبجحة: “اسلامنا ما انبيعه.. آيسوا يا بعثية”.

وينقل أستاذ الحوزة في قم المقدسة؛ السيد رياض الحكيم في لقاء له مع فريق إعلامي لما سُئل بعض الوجهاء مدير أمن النجف آنذاك؛ ابراهيم خلف، الذي كان قاسيا، عن سبب ذلك الاصرار الذي يبديه حزب البعث في مواجهة هذا النشاط الشعبي والديني رغم ان هويته دينية، فقد كان البعثيون يخططون في جلسات حزبية، ويتخذون القرارات الصارمة تجاهه، فيجيب : الحقيقة اننا لاحظنا خلال السنة، نقيم ندوات توجيهية و تثقيفية، و ندوات حزبية لجذب الناس والشباب لافكار الحزب و متبنياته، فنجد استجابة نسبية خلال السنة، ولما يأتي موسم الأربعين، نجد أن الامور تنقلب رأساً على عقب، فنجد كل ذلك التأثير يضيع وينتفي تماما، فوجدنا ان هذا الموسم وهذه الزيارات عائقاً حقيقياً أمام سيطرتنا على الشارع، ولذلك نحن نتعامل مع هذه المراسيم على انها تحديات وليست مجرد مظاهر لا نرغب فيها”.

لقد استطاع الإمام الحسين عليه السلام بايقاد شعلة النهضة للتخلص من جميع الأمراض التي استشرت في كيان كل لبيب وصاحب فطرة سليمة، فيحدث أن يعم هذا التغيير في الفكر والسبيل حتى يدفع أصحاب الأقلام الغربية الحديث عنه ونعته بأجل النعوت، يقول المستشرق الألماني ماربين:

“قدم الحسين للعالم درسا في التضحية والفداء من خلال التضحية بأعز الناس لديه ومن خلال إثبات مظلوميته وأحقيته، وأدخل الإسلام والمسلمين إلى سجل التاريخ ورفع صيتهما. لقد اثبت هذا الجندي الباسل في العالم الإسلامي لجميع البشر ان الظلم والجور لادوام له. وان صرح الظلم مهما بدار راسخاً وهائلاً في الظاهر الا انه لايعدو ان يكون امام الحق والحقيقة الا كريشة في مهب الريح”.

وايضا ينقل عن الكاتب الإنجليزي السير برسي سايكس انه قال : ((إن كان الإمام الحسين قد حارب من أجل أهداف دنيوية، فإنني لا أدرك لماذا اصطحب معه النساء والصبية والأطفال؟ إذن فالعقل يحكم أنه ضحى فقط لأجل الإسلام)).

وقال((الإمام الحسين وعصبته القليلة المؤمنة عزموا على الكفاح حتى الموت وقاتلوا ببطولة وبسالة ظلت تتحدى اعجابنا وأكبارنا عبر القرون حتى يومنا هذا.))

لقد قُدر ان يكون الإمام الحسين علامة لمن يريد حقا الوصول إلى النهاية وكسبها بأحقية عالية كما أثر هذا التأثير بالرئيس الهندي حيث قال : لقد طالعت بدقة حياة الإمام الحسين، شهيد الإسلام الكبير، ودققت النظر في صفحات كربلاء واتضح لي أن الهند إذا أرادت إحراز النصر، فلا بد لها من اقتفاء سيرة الحسين.

يتضح في النهاية ان احراز النصر المادي في المعركة ليس كل شيء، فالمهمة العظيمة تتمثل في نتائج المعركة وما تخلفه من تغييرات في المتبنيات تجعل من الاجيال القادمة ترفع رأسها عاليا لأنها على يقين تام في السبيل الذي اختارته والذي عنوانه “عاشوراء”.