في حوار حول طريقة التعامل مع روايات أهل البيت عليهم السلام

المرجع المدرسي يدعو الفقهاء الشباب للبحث في المسائل المستحدثة

0

دعا المرجع الديني آية الله  العظمى السيد محمد تقي المدرسي الفقهاء الشباب الى البحث في المسائل الفقهية الجديدة والمستحدثة.

وكالة انباء “عترتنا” حضرت الكلمة التي ألقاها سماحة المرجع المدرسي، صاحب تفسير “من هدى القرآن”، في مركز الآخوند الخراساني التخصصي التابع لمكتب الإرشاد الاسلامي في مدينة مشهد المقدسة، وذلك في أيام شهر ذي القعدة الحرام، و بحضور مدير المركز ولفيف من الباحثين في قسم العلوم والمعارف القرآنية والحديث في هذا المركز. 

المرجع المدرسي في كلمته القيّمة والهامة، تحدث عن النهج التاريخي في البحوث العلمية الاسلامية، مؤكداً على ضرورة الاستفادة من التطورات الحاصلة في هذا المجال، وأن “لا يعترينا الخوف من أن نتأثر بمؤلفات ونتاجات الآخرين، لأننا نمتلك ما هو أقوى من الفكر والعقل والقواعد العلمية”.

وفيما يلي؛ تقرير عن هذا اللقاء:

بسم الله الرحمن الرحيم

بدأ سماحة السيد المرجع المدرسي حفظه الله حديثه بالقول:

في البدء نشير إلى عدة نقاط تمثل خطوطاً عريضة للموضوع، ومن ثمّ نعرِّج على البحث عن متطلبات الاستنباط.

النقطة الاولى:

من اجل الوصول الى حقائق التاريخ لا بد من الاستفادة من الامكانات الموجودة كافة، فنحن نلاحظ علماء الآثار – مثلاً – عندما يعثرون على قطعة حجرية في مكان ما، فانهم يخوضون في البحث عن أصلها وعمرها وسائر التفاصيل المرتبطة بها، بينما نلاحظ اليوم أن البعض يهمّش بعض المواضيع بحجة ضعف السند، أو أن مصدر النقل سني أو شيعي، وهذا لا يُعد اسلوباً صحيحاً لدراسة التاريخ، إنما المطلوب تجميع كافة الاحداث والوقائع المتناثرة للوصول الى النتيجة المرجوة.

النقطة الثانية: 

علينا أن نكون دقيقين فيما يتعلق بمسائل الدين، ذلك لأنَّ مصدر الدين هو الله تعالى، والوصول الى كلام الله ليس بالأمر الهيّن، بل ليس بمقدورنا الوصول الى الحكم الصحيح بشكل سريع، فنحن مسؤولون من الناحية الشرعية بالتزام الحيطة والحذر من ربط أي موضوع أو قضية بالشارع المقدّس من غير دليل.

إذن، ما الذي يجب فعله؟

لدينا معايير خاصة ينبغي العمل على أساسها، كالإحتكام الى العقل، والى الوحي، والروايات الشريفة، والسيرة المطهرة للمعصومين، وايضاً؛ الاستفادة مما توصل اليه الفقهاء، ففي أي بحث او دراسة، وإن كانت بسيطة، علينا الاحتكام الى العقل والقرآن الكريم والروايات والسيرة وأقوال العلماء، وعليه؛ لا بد من بذل المزيد من الجهود للتعمّق في البحوث حتى الاجتهاد.

النقطة الثالثة: 

في عالم اليوم توجد أساليب متنوعة لحل القضايا المختلفة، فمثلاً: لكتابة التاريخ، وتوثيق المستندات، ودراسة الوثائق تتم الاستفادة من أساليب ومناهج خاصة، والى حدٍ ما أشرت الى هذه الاساليب في كتاب “المنطق الاسلامي”، فلا بد من الاستفادة مما توصل اليه العالَم من تطورات دون أية خشية من التأثر بهم، لأننا نمتلك قواعد فكرية وعقلية أقوى واكبر مما لدى الآخرين، ولكن؛ لا يعني هذا أن نأخذ بكل ما يقولونه، ما عدا البعض من ضعيفي الايمان بالطبع.

النقطة الرابعة:

البعض لا يتحلّى بسعة الصدر في البحوث العلمية، فالقول بأنَّ “حسبنا كتاب الله”، هو كلام كاذب، فهو يعني إلغاء لدور العقل، فكيف يسمح البعض لنفسه بأن يفهم الامور مما جاء في كتاب الله المجيد فقط؟ فكم يجب أن يكون الانسان جاهلاً ليتخلّى عن هذا التراث العظيم من الروايات الشريفة، ويكتفي بالعمل بآية واحدة فقط؟

في مقابل هذا؛ من غير الصحيح ايضاً، التخلّي عن القرآن الكريم، فهو نوع آخر من الجهل، إذاً علينا الاستفادة من كل الطرق والاساليب، وهذا يحتاج لرحابة صدر، وعقلية واسعة.

من هنا نقول:

أولاً: لا بد من الاستفادة من التاريخ، كون التاريخ حاضنة للاحداث والوقائع والروايات الشريفة.

ثانياً: الاستفادة من علم “الرجال”. وثمة نظرتان الى علم الرجال: الاولى؛ البحث عن شخصية الراوي، وما هي صفاته؟ وهذه النظرة لوحدها لا تكفي لأنها نظرة ضيقة. بينما علينا التوصل الى الحقائق في علم الرجال من خلال البحث عن جزئيات سيرة النبي (ص) والأئمة الأطهار لنتعرف من خلالها على الرجال، وهذا يساعدنا على معرفة أفضل للظروف السائدة في ذلك الوقت.

وفي هذا المجال اشير الى كلماتهم واستلهاماتهم، فمثلاً: عبد الله بن عباس، وعكرمة، وغيرهما… وصلنا منهم كلام معين، وبعض هذا الكلام ورد في بعض التفاسير، مثل؛ “روح الجنان”، يقول البعض إزاء هذه الأقوال: إنَّ هؤلاء استنتجوا أموراً من القرآن الكريم، ونحن أيضاً نفعل الشيء نفسه، أما أنا فاتبع الطريق الوسط، واقول: إنَّ الذي قام بالاستنتاج لا بد وأن لديه غاية او رسالة يريد إيصالها، بمعنى؛ أن أولئك ركزوا على بُعدٍ من الموضوع، وأنتم ذهبتم الى البُعد الآخر.

لا نظرة سلبية لديّ إزاء الفقهاء

لقد وفقني الله تعالى أن اعتمد في بحوثي الفقهية بشكل كبير على هذا النهج، بل اعتمدته حتى في مجال الفلسفة والمنطق، حيث لم يكن لديّ موقف سلبي تماماً إزاء أي رأي علمي، فربما أكون معارضاً له، ولكن بامكاني استخراج ما هو مفيد من باطن هذا الرأي. فاذا كانت لمسألة فقهية آراء متعددة، ربما تكون خمسة آراء او اكثر، فانني لا أردّها بشكل مطلق، وهذا ما انتهجته في الكتب الفقهية الصادرة مؤخراً، فالمبدأ عندي؛ أنَّ لكل شخص رأي يتبنّاه.

هذا الاسلوب نستلهمه من القرآن الكريم، حيث يقول الله تعالى في الآية المباركة: (وَالَّذینَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ یَعْبُدُوها وَأَنابُوا إِلَی الله لَهُمُ الْبُشْری‏ فَبَشِّرْ عِبادِ * الَّذینَ یَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَیَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِکَ الَّذینَ هَداهُمُ الله وَأُولئِکَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ) فأصحاب هذا النهج هم أولوا الألباب وأولوا العقل. فلا ينبغي تصنيف الكلام على أنه جيد أو رديء، إنما ينبغي وضعه على طاولة التشريح، وملاحظة جوانبه وزواياه المختلفة بدقّة لنر مدى إمكانية الاستفادة منه.

س: تفضلتم: دراسة “الأقوال”، وانتخاب “أحسن الأقوال”، ولكن نفس هذا القول يخضع للدراسة والبحث عن أحسن الجهات فيه.

ج: لا بد من تحليل “القول” وتفكيكه، ومن الجدير ذكره أن فقهاءنا تطرقوا الى موضوع مهم وعميق في باب “حجية الروايات لغير المشافهين” ومرّوا عليه بشكل خاطف، مثلاً؛ قالوا: هل إنَّ حديث كراهية أكل لحم الحمار من قبل النبي الأكرم، هل كان لسبب خاص؟

جاء في الروايات التاريخية أن المسلمين كانوا عائدين من غزوة خيبر، وقد أنهكتهم الحرب، ولم يقووا على المسير، فكان لا بد أن يستفيدوا من البغال والحمير للركوب، لذلك كره النبي أكل لحم الحمار بسبب تأثير ذلك على هذا الجهة. علماً أن بعض الروايات تشير الى عدم كراهية أكل لحم الحمير بشكل مطلق، وفي البلاد الغربية يستفيدون من البانها لصناعة الجبن، ويُقال أنه لذيذ جداً.

ومثل آخر في سياق الحديث عن “الحجية لغير المشافهين”: اذا أصدر النبي الأكرم أمراً لشخصٍ مّا بالذهاب الى المكان الفلاني فهل ينطبق الأمر على شخص آخر؟ جاء في الآية الكريمة: (وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِکَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِینَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِیعٌ عَلِیمٌ)، فقد يأمر النبي (ص) أحدهم أن يذهب، ويأمر الآخر أن يبقى، فهل تسري هذه الأوامر للآخرين أيضاً، أم أنه كان تكتيكاً عسكرياً في ذلك الظرف؟

لا بد من تسليط الضوء على (الأوامر المولوية) فلا يمكن أن نقيس الحرب – مثلاً – بالامور الأخرى في عصر النبي (ص).

من هنا؛ فقد نتمكن من استشراف المستقبل من خلال الماضي، وربما التعرّف على الحاضر والمستقبل ايضاً، وقد يحدث العكس بأن نكتشف الماضي من دراسة الحاضر. فالامام الحسين، عليه السلام – مثلاً – جاء الى كربلاء، وقد واجه العطش والجوع، وانتقل من هنا الى هناك، فما الذي حدث؟ قد لا نستطيع أن نتفهم أبعاد هذا الحدث، إلا أن هناك اسلوب في الوقت الحاضر نستطيع أن نفهم عبره ما حدث في الماضي. مثلاً:

يقوم مستشرق بجولة في الصحراء الغربية، ويقطع المسافات الطوال في الصحاري والقفار بتلك الوسائل القديمة حتى يفهم عملياً وميدانياً أبعاد ما جرى في واقعة كربلاء.

أين كان الشيخ البهائي بين سن الـ 24و54 عاماً؟

خلال إحدى زياراتي لمشهد المقدسة، زرت المرحوم واعظ زاده خراساني، وهو شخصية علمائية مرموقة في مجال التفسير والتاريخ، وكانت بيننا علاقة ودية، سألته عن الشيخ البهائي الذي تقلَّد منصب “شيخ الاسلام في ايران” وهو في سنّ الرابعة والعشرين من العمر، وأردفت بالقول: بان الشيخ البهائي تقلَّد هذا المنصب مرة ثانية في سن الرابعة والخمسين من عمره، ثم طرحت هذا السؤال: بين سن الرابعة والعشرين، والرابعة والخمسين من العمر، أين كان الشيخ البهائي؟

قال المرحوم واعظ زاده خراساني بأن ليس لديّ معلومة عن هذه الفترة التاريخية، فسألت ثانية: لنفترض أنَّ عالم دين يصبح مرجعاً للتقليد مرة واحدة، ثم؛ وبعد ثلاثين سنة يصبح مرجعاً ايضاً، فيكف يكون ذلك؟! واين كان بين هاتين الفترتين ولماذا لم يجر البحث عن هذا الموضوع.

الشيخ البهائي الذي ينحدر من جبل عامل (لبنان)، قرر في فترة من حياته ان يقوم بدور هام ومتميز لمصلحة الامة، وكان بالطبع يتقن اللغة العربية، كما كان ملمّاً باللغة الانجليزية ايضاً، فذهب في ربوع الدولة العثمانية بصفة تاجر من بلاد الغرب، وتمكن بذلك من زرع بذور التشيّع في اوساط الحكومة العثمانية.

استغرب الشيخ واعظ زاده خراساني من هذه المعلومات، وتساءل عن مصدرها، فقلت له: انها من المؤرخين الغربيين الذين بحثوا في عوامل انتشار التشيع في الدولة العثمانية (تركيا) رغم تعصبها ضد التشيع، فتوصلوا الى تاجر يتجول في أرجاء الدولة العثمانية، وإذا به نفس الشيخ البهائي، وهذا يؤكد لنا ضرورة الاستفادة من المعطيات العلمية التي يتوصل اليها الآخرون.

وما اريد تسليط الضوء عليه هنا ايضاً؛ هو الاهتمام والتعامل مع القضايا المستحدثة.

بعد انتصار الثورة الاسلامية في ايران، تم اتخاذ قرارات في بعض المجالس التشريعية مما اثار حفيظتي، حيث وجدت أن فيها بعض التناقض، لاسيما في البند (جيم) من قانون الأراضي الذي حصل بشأنه اختلاف في الرأي بين الامام الخميني الراحل، وبين المرجع الراحل السيد الكلبايكاني، وعلى اثر ذلك تم تأسيس مجلس تشخيص مصلحة النظام، وهي مؤسسة جديدة الى جانب مجلس الشورى الاسلامي، ومجلس صيانة الدستور، مهمة المجلس الأول وضع القوانين إستناداً الى المصلحة العامة وليس استناداً الى الروايات والمصالح الشرعية فقط. وهذا ما دعاني للتأمّل في المسائل والقضايا الثابتة التي يجب أن لا تتغير في الدين، وما يمكن أن يطاله التغيير، أي البحث في “المتغيرات والثوابت”.

فقمت بتوفيق الله – تعالى – بتأليف كتاب “التشريع الاسلامي” في عشرة مجلدات، في هذا الاطار، اما هل كنت موفقاً في ذلك فهي مسألة أخرى، إذ على الانسان بذل المزيد من الجهد والاجتهاد ما استطاع الى ذلك سبيلاً، اما التوفيق والنجاح فهو موكول الى الله تعالى.

وما تزال هناك مسائل عديدة مطروحة ولكن دون جواب، علينا البحث فيها للخروج بنتائج، ولاسيما مع كثرة التحولات السريعة في العالم، منها ما يتعلق بطريقة عمل المصارف والبنوك، مسألة “القيمة المضافة”، والغرامات على تأخر السداد، وغيرها من المسائل الاقتصادية والتجارية المهمة جداً.

مثلاً: كيف لنا التعامل مع ظاهرة ارتفاع او انخفاض قيمة الدولار بشكل كبير وبشكل مفاجئ في بعض البلاد؟

حصل في لبنان في السنوات الماضية أن انهارت قيمة الليرة اللبنانية بشكل مفاجئ، فمن ثلاثمائة ليرة لبنانية لكل مئة دولار، اصبح ألفا ليرة لكل دولار اميركي واحد. وحينها أصدر أحد علماء الدين في لبنان، رحمة الله عليه، فتوى أجاز فيها لمن كان – مثلاً – مستأجراً داراً حسب القيمة السابقة – ثلاثمائة ليرة لمأة دولار – أن يبقى في داره وفق القيمة القديمة للدولار اي بثلاثمأة ليرة فقط التي أصبحت أقل من دولار واحد، وهذا من الصعب القبول به، والأمر يستدعي المزيد من البحث والدراسة، لذا ندعو الفقهاء الشباب الانطلاق في بحث المسائل المستحدثة والجديدة.

العمل السياسي في محله، لنبحث في المسائل العلمية

قبل العودة الى كربلاء المقدسة، وعندما كنت في طهران، كنت أدرِّس باب الجهاد في الفقه. وقد زارني عدد من القادة الافغان في حينها، وأعربوا عن اعجابهم ببحوث الجهاد، وقالوا: ان حديثك يلبي حاجاتنا في افغانستان، ونحن نبحث عن إجابة الى سؤال عما اذا كان يحلّ استخدام اسلحة الدمار الشامل أم لا؟

قلت لهم: فيما يتعلق باسلحة الدمار الشامل لدينا نصٌّ واضح ذكره الفقهاء في كتبهم: “يحرم قتل الناس بالسموم”. فلا يجوز تسميم المياه العائدة لجماعة من الناس، وبالتالي لا يجوز استخدام سلاح يفتك بكل الناس.

ان المسائل المستحدثة كثيرة جداً وعلينا متابعتها ودراستها.

فمن المسائل المتعلقة بالحرب والدفاع – مثلا – يمكن استنباط قواعد واحكام عدّة حول طريقة أداء القتال وادارة الحرب. ومن يتدبّر في القرآن الكريم يجد أن بالامكان استنباط مسألة ولاية الفقيه من خلال الآيات الخاصة بالحرب والقتال، كالآية الكريمة: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِی الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِینَ یَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ)، فتشير الآية الى دور الإستنباط ومن يقوم بهذه المهمة، وفي الحقيقة فإنَّ هذه الآية تُعد من أهم الآيات الدالة على مشروعية ولاية الفقيه، ولكن لم أجد احداً أشار الى هذه الجملة فيما يتعلق بهذا الحكم: (الَّذِينَ یَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ).

لا لتحديد الروايات

ما أريد تسليط الضوء عليه أيضاً هو النظرة الخاصة إزاء روايات العامة، حيث نرى البعض يتجاهل أي حديث فوراً اذا عرف أن مصدره عامي، في حين هذا الحديث يُعدُّ واحداً بين سائر الاحاديث المروية، وبالامكان عرض هذه الروايات على القرآن الكريم، وايضاً على الروايات المُحكمة المعتمدة لدينا، ومن ثمّ نصدر الاحكام بشأنها. أما التسرّع في اصدار الحكم على هذه الروايات فهو عمل خاطئ، حتى الروايات الضعيفة ينطبق عليها نفس الشيء، فالرواية الضعيفة ربما تعززها رواية قوية أخرى، علينا أن نكون “صيادين ماهرين” للروايات والاحاديث الشريفة، علينا أن نبحث عن أي رواية نرى أنها مفيدة، نقتنصها ونضمها الى بحوثنا العلمية، وإن كان مصدرها عامياً.

وثمة مسألة أخرى نشير اليها، وقد يخالفها البعض، وهي نقل الكلام بـ “لسان الحال”، فالحديث بهذه اللغة لن يكون كذباً، إنما هو مستلهم من وقائع واحداث معينة، فالكلام المنقول بلسان الحال لم يُنسب الى القائل بشكل قاطع وإنما هو لمجرد احتمال صدوره منه حسب معطيات الحدث. وهذا ما نشاهده في الأفلام التاريخية التي تُصنع اليوم، فمثلاً:

المسلسل التلفزيوني التاريخي “يوسف الصديق”، فما يضمه المسلسل من أحداث وتفاصيل دقيقة عن حياة تلك الفترة وحوارات، ليس بالضرورة ان تكون متطابقة تماماً مع ما جرى فعلاً آنذاك، سوى بعض الحقائق التاريخية الواردة في التاريخ، اما سائر الأحداث والوقائع والحوارات التي لم ترد في التاريخ فهي مستلهمة من الوقائع المذكورة بناء على (لسان الحال) وهذا هو ما نفعله حينما نريد سرد حكاية قصيرة للصغار، فاننا نمهد للحكاية بمقدمة خيالية مستلهَمة من اصل الحكاية ثم ندخل في سرد الوقائع.

س: بناءً على ما تفضلتهم إذن هل بالامكان دراسة ما جاء في كتب المستشرقين أيضاً؟

ج: نعم؛ بالتأكيد لأنَّ “الْحِكْمَةُ ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ، فَحَيْثُمَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ ضَالَّتَهُ فَلْيَأْخُذْهَا”  كما في الحديث عن الامام الصادق (ع)، فمع الاخذ بنظر الاعتبار مجموعة من المعايير، فانني استمع وادرس كل قول واستفيد مما فيه من الحكمة.

س: من المؤسف أن نلاحظ غياب التوجه التاريخي في البحوث العلمية الاسلامية، بينما السائد حالياً في الساحة العلمية، هو النظرة التقليدية ونقل المحاور وحسب، وما نلاحظه اليوم أن الباحثين في التاريخ تقودهم الظروف والحالات الى الانسلاخ عن تقاليدهم وتراثهم. 

فما هو السبب في ذلك؛ هل يعود الامر الى ضعف التراث؟ أم المشكلة في المنهج؟ أم ان السبب يعود الى أن الابحاث والموضوعات الجديدة فيها الكثير من الاثارة والجاذبية؟

ج: مشكلة هؤلاء في نظرتهم الآحادية، فاذا اقتصرنا في مطالعتنا للتاريخ على كتاب جورجي زيدان التاريخية – مثلاً – سيكون لنا استنتاج معين، أما اذا طالعنا الى جانبه “تتمة المنتهى”، أو “منتهى الآمال” للشيخ عباس القمّي، وايضاً؛ علم الرجال، وسيرة رجال الحديث، – فيما يتعلق بطريقة حياتهم، وليس بتوثيقهم – وطالعنا جميع هذه المصادر وجمعنا بين الرؤيتين فانه لن يحصل ما تحدثتم عنه من الانسلاخ عن التراث والتاريخ.

طالعت مؤلفات المستشرقين ولم أتأثر بهم مطلقاً

فانني شخصياً عكفت على مطالعة العديد من مؤلفات المستشرقين ولكنني لم أتأثر بها، فنحن لدينا قواعد عامة ومعايير اسلامية نعتمد عليها في بحوثنا واستنتاجاتنا، ولكن حصل أن البعض – للأسف – قرأ كتب الغربيين ودون أن يفهمها عمد الى ترجمتها الى لغاتنا في الشرق.

لذا علينا التدقيق في هذه المسائل ونكون على حذر ونحن نتقدم في بحوثنا العلمية، لاسيما وأن مسيرتنا في طريق الدين، فيجب علينا طلب العون من الله تعالى ليأخذ بأيدينا ونكون على الطريق الصحيح دوماً. واعلموا أننا في القمّة، فأي شطط او اهتزاز ربما يؤدي بنا للسقوط المريع في الهاوية.

وفي الختام؛ أؤكد ان هذه البحوث لها آفاق ايجابية، فهي تمثل البنية التحتية للمجتمع الاسلامي، والمجتمع الشيعي.

على طلبة العلم أن لا يربطوا نشاطهم البحثي والعلمي بالامكانات المادية، إنما عليهم العكوف على نشاطهم وعملهم، ولنتعلم من علمائنا الكبار، في أية ظروف ألفوا كتبهم، فلا يجب ان نكون مثل أوراق الشجر التي تهزها الريح.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته