رحمة الألم

1

هل يمكن أن نتصور شخص لا يتألم؟
قد نتصور في الوهلة الأولى أن مثل هذا الإنسان سيعيش في غاية السعادة، فإن أكثر ما يعاني منه البشر هو الألم، فمنذ الولادة يتجرّع الألم حتى يهرم، ولا يموت ـ عادة ـ إلا به، فلماذا لا يعيش مثل هذا الشخص سعيداً، وهو لا يشعر بأي شيء من ذلك؟
إلا أن هذه الصورة المثالية خاطئة للغاية، ولو سألنا الأطباء اليوم عن حال مثل هذا الشخص، فستكون الإجابة أن مثل هذا الإنسان يجب أن يعيش تحت عناية فائقة، وأنه سيموت أسرع من غيره، فإذا لم يشعر الطفل بألم الجوع، فإنه لن يحصل على الحليب، وإذا ما شعر الإنسان بألم المرض فلن يندفع لعلاجه، ومن هنا قيل إن الألم هو المحرك الأساس لعلم الطب عند البشرية!

  • الألم سمة الحياة

وهذا ما يميز الحي عن غيره، فإن الحياة تعني الشعور بالألم، فسمة الموات عدم الألم، فاليد التي لا حياة فيها لا تشعر بالألم فيها إنما تشعر بالألم في يدك لأنها حية، فهل تشعر بألم قص الشعر الذي في رأسك؟ أو الضفر الذي في يدك؟ كلا؛ لأن الشعر والضفر مما لا تحلهما الحياة.
ومن هنا قال الشاعر:
ومتعت بالألم العبقري *** وأنفع ما في الحياة الألم
ومبدأ رحمانية الألم، كما يصدق في الشخص يصدق في المجتمع، فكما يعاني المرء من الألم عندما يكون هناك خلل، فإن المجتمع بأسره يجب أن يشعر بالألم حين يعاني من إنحراف، وكلما كان الإنحراف أكبر كلما كان هذا الألم أشد و أوقع.
وهذا من عظيم رحمة الله تعالى بالأمم والمجتمعات، أن ينبهها قبل أن يأخذها أخذ عزيز مقتدر، وأمام هذه الأمة المنحرفة في سلوكها أو عقيدتها أحد طريقين:
الف ـ إما أن تتغافل ولا تكترث ويكون مصيرها مصير قوم فرعون إذ أرسل الله عليهم تسع آيات بينات، فلم يزدهم ذلك إلا طغيانا، فقد بعث الله عليهم القمل والدم والضفادع وغيرها من الآيات إلا أنهم لم يشعروا بذلك حتى نبذهم الله في اليم.
باء ـ وإما إعطاء ذلك الألم ما يحتاجه من الإهتمام لمعالجة الإنحراف الحاصل.
بيد أن ذلك وحده لا يكفي، فإن تعاقب الأجيال قد ينسي المتأخرون ما شعر به الأولون، وهنا يأتي دور التذكير، فلكي يستشعر التالون، ما جرى للأولين عليهم أن يتذكروا ويستذكروا هذه الحقائق يوماً بعد يوم.

  • كربلاء.. ألم لا ينسى

وهذا هو ما يجمع الملايين من الناس في هذه الأيام في مجالس سيد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام حول الأرض، فإن إنحراف الأمة عن طريق الهداية، واستبدالهم الغدير بالسقيفة، تسبب بألم لن تنطفئ حرارته أبداً، وهذا ما يجعل استذكار هذه المصيبة وأسبابها وآثارها من الضرورات الدينية التي بها قوام الدين والمذهب.
ما جرى في كربلاء؛ ألم أبكى الحور في الجنان، والوحوش في البراري والوديان، وما في البحار من حيتان.
ألمٌ أبكى السماء والأرض، ألمٌ شعر به الأنبياء قبل وقوعه، وبكى له الأنبياء من لدن آدم حتى النبي الخاتم محمد ص.
ويجب أن لا يُنسى هذا الألم، لكي لا نقع فيما وقعوا فيه، فالدوافع التي دفعت بني أمية لقتل سيد الشهداء هي الدوافع التي قد تدفع البشرية اليوم لتركتب أبشع الجرائم، وإن الأهداف التي قام من أجلها سيد الشهداء عليه السلام هي الأهداف التي يجب أن يرفعها المصلحون في الأرض.

  • وليد البكاء والدمع

إن الله تبارك وتعالى فدى الأنبياء والدين بفداء عظيم، كما قال تعالى: {وفديناه بذبح عظيم}، فداء هو زين السماوات والأرض، فداء هو سيد شباب أهل الجنة، فداء هو ريحانة رسول الله ص، فداء هو الإمام إبن الإمام أبو الأئمة.
ومن هنا فإن قضية هذا الفداء مختلفة جداً، فهل سمعتم من قبل بمولود يبكى عليه قبل ولادته، ومع ولادته، وبعد ولادته؟
هل سمعتم بمولود {حملته كُرْهاً وَ وَضَعَتْهُ كُرْهاً} لأنها تعلم أنه المقتول بشط الفرات؟
رسول الله ،صلى الله عليه وآله، أخذ المولود الجديد في حجره، لكنه استقباله للوليد هذه المرة مختلف، فقد أخذ يشمه في صدره ويقبله في نحره، فقد نزل عليه قبل ذلك جبرئيل في قبيل من الملائكة قد نشروا أجنحتهم يبكون حزنا، ومعهم قبضة من تربة الحسين، فدفعها إلى النبي وقال: يا حبيب الله هذه تربة ولدك الحسين ابن فاطمة، وسيقتله اللعناء بأرض كربلاء.
فالنبي، صلى الله عليه وآله، عقد مجلس العزاء لمصيبة سيد الشهداء في ولادته، وكرر النبي ص مصاب سيد الشهداء على زوجاته تارة وأهل بيته أخرى، وأصحابه ثالثة، والله تعالى يعيد عليه المصاب في كل رأس سنة ففي مقتل الحسين للخوارزمي:
“ولما أتى على الحسين من ولادته سنة كاملة هبط على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) اثنا عشر ملكا محمرة وجوههم قد نشروا أجنحتهم وهم يقولون: يا محمد سينزل بولدك الحسين ما نزل بهابيل من قابيل، ولم يبق في السماء ملك إلا ونزل على النبي يعزيه بالحسين ويخبره بثواب ما يعطى، ويعرض عليه تربته، والنبي يقول: اللهم اخذل من خذله، واقتل من قتله، ولا تمتعه بما طلبه.
ولما أتت على الحسين من مولده سنتان كاملتان خرج النبي في سفر فلما كان في بعض الطريق وقف فاسترجع ودمعت عيناه، فسئل عن ذلك فقال: هذا جبريل يخبرني عن أرض بشاطئ الفرات يقال لها: كربلاء يقتل فيها ولدي الحسين بن فاطمة، فقيل: من يقتله يا رسول الله؟ فقال: رجل يقال له يزيد، لا بارك الله في نفسه، وكأني أنظر إلى منصرفه ومدفنه بها، وقد أهدي رأسه، والله ما ينظر أحد إلى رأس ولدي الحسين فيفرح إلا خالف الله بين قلبه ولسانه”.

  • مآتم السبط الشهيد

مأتم في بيت أم سلمة، وآخر في بيت عائشة، وثالث في بيت ام الفضل، ومجلس في بيت ام المؤمنين زينب، مجلس في محضر الأصحاب، ومجلس في بيت أمير المؤمنين عليه السلام، كرر النبي مآتم السبط الشهيد ليكون المؤسس لها، ليعلن أن ألم السبط الشهيد يجب أن لا ينسى، لأنه ألم رحمة للعالمين، ألم يحيي ضمير الأمة التي أماتته بنو أمية.
ولذا فإن هذه المآتم التي أسسها النبي صلى الله عليه وآله، وكان أول قارئ عزاء فيها جبرائيل يجب أن تستمر لتذكر الأمة بهذه المصيبة كي لا تنسيها رياح الغفلة، الرسالة الإلهية الحقة.