في تدبره الثالث بسورة القيامة، المرجع المدرسي يؤكد على ان اصل التبرير كذب وهدفه خداع الذات

0

تدبرات في سورة (القيامة) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (الثالث)

“عَلى‏ نَفْسِهِ بَصيرَةٌ”

بسم الله الرحمن الرحيم
[يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ‏ وَ أَخَّرَ (13) بَلِ الْإِنْسانُ عَلى‏ نَفْسِهِ بَصيرَةٌ (14) وَ لَوْ أَلْقى‏ مَعاذيرَهُ‏] (15)
صدق الله العلي العظيم

تفصيل القول
في بدء القيامة بيّن ربّنا تعالى المحكمتان التي يتحاسب بهما كلّ انسان، من المحكمة الداخلية المتمثّلة بالنفس اللوامة، والى محكمة العدل الالهية في يوم القيامة، و في ذات السياق تأتي الآيات 13-15لتؤكد وتفصّل تلك الحقيقة، من أجل تكريس قيمة المسؤولية عند الانسان.

احصاه الله ونسوه
لا شيء يُعدم في الكون، هكذا يقول العلم الحديث، فالطاقة تتحوّل من صورة الى اخرى وقد تتلاشى في الفضاء ولكن تبقى موجودة، اقول: كما الاشياء لا تُعدم كذلك اعمال الانسان تبقى، سواءاً الصالحة منها كالصلاة او الطالحة كالكذب تبقى موجودة، حتى لو نساها الانسان كما يقول ربّنا تعالى: [يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَميعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ‏ اللَّهُ وَ نَسُوهُ وَ اللَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ شَهيدٌ][1]
ويقول ربّنا تعالى: [وَ وَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَ لا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً][2]
من الاهداف المهمّة التي على الانسان تعقّبها في الحياة هو أن يمحي الأعمال السيئة ويحوّلها عدماً، وذلك من خلال الاستغفار، حيث يمحي آثار الذنوب، بل ويتفضّل الرب سبحانه وتعالى على المؤمنين بأن يُنسيهم ذنوبهم أيضاً، لأنّ الانسان لا يتحمّل عتاب الرب سبحانه وتعالى له حتّى وإن يعقبه غفران.
يقول ربّنا تعالى: [يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ‏ وَ أَخَّرَ]
قال الإمام الباقر (ع): «بما قدّم من خير و شر، و ما أخّر ممّا سنّ من سنّة، ليستنّ بها من بعده، فإن كان شرا كان عليه مثل وزرهم، و لا ينقص من وزرهم شي‏ء، و إن كان خيرا كان له مثل أجورهم، و لا ينقص من أجورهم شي‏ء»[3].

[بَلِ الْإِنْسانُ عَلى‏ نَفْسِهِ بَصيرَةٌ]
هذه الآية هي محور سورة القيامة المباركة، حيث يُبيّن ربّنا مشكلة البشر في عدم الاصغاء للنفس اللوامة، وعدم الاكتراث للمحكمة الالهية، وهو التبرير، حيث أنّ النفس البشرية تستخدم المزيد من الاساليب لتقريب الانسان من فعل المعصية، فتارة تطوّع له كما طوّعت لقابيل في قتل اخيه هابيل، وتارة تسوّل كما عند السامري، وتارة تُزيّن المعصية، و تارة تُبرّر للانسان فعله للمعصية.
وورود التاء في قوله [بَصيرَةٌ] هو للمبالغة، أي أنّ الانسان يعرف نفسه جيّداً.

[وَ لَوْ أَلْقى‏ مَعاذيرَهُ]
اصل التبرير كذب، وهدفه خداع الذات، ذلك أنّ النفس اللوامّة حينما لا تضعف عند الانسان بسبب عدم العمل وفقها، وحين تقوى النفس الأمّارة، يلجئ الى الكذب لتبرير أخطاءه وعلينا لمواجهة ذلك، أن نلوم أنفسنا على الكذب، بأن نقوم بمحاسبة الذات وبذلك نستطيع أن نُرمّم النفس اللوامة.
ولأنّ البشر يبرّر لنفسه دائماً يأتي القرآن الكريم ويقطع الحجة على الانسان فيقول: [وَ لَوْ أَلْقى‏ مَعاذيرَهُ]
ويزداد الامر خطورة حينما يأخذ منحى اجتماعي ومؤسساتي، فبدل أن يكون التبرير في شخص أصبح يشكّل تيّار، ويبثّ آلاف الشُبهات الواهية للناس.
لكن يبقى حجّة الرب تعالى على الانسان تامّة لأنّه اعطاه البصيرة في دينه بالرغم من كلّ الشبهات والتبريرات، ولذلك تجلّي في الأحكام الشرعية ايضاً فقد جاء في الحديث
قال زرارة: سألت أبا عبد اللّه (الإمام الصادق (ع)): ما حدّ المرض الذي يفطر صاحبه؟ قال: «بل الإنسان على نفسه بصيرة، هو أعلم بما يطيق‏.»[4]
______________________
[1] سورة المجادلة، الآية 6.
[2] سورة الكهف، الآية 49.
[3] ( 4) تفسير القمّي ج 2 ص 397.
[4] ( 1) المصدر.