المناجاة الشعبانية – الحلقة الحادية عشرة

حياة الانسان و كنوز المنفعة غير المكتشفة

0

“وقد جرت مقاديرك يا سيدي فيما يكون منّي الى آخر عمري من سريرتي وعلانيتي
وبيدك لا بيد غيرك زيادتي ونقصي ونفعي وضُرّي”

إذا ذهبت الى بيت طبيب متخصص في التغذية، وهو يعرف ما تعانيه أنت من الأمراض والمشاكل في بدنك، ثم قدم لك طعاماً ليس فيه ما تشتهيه من اللحوم والحلويات مثلاً، فهل تشكو اليه الأمر أو تشكره على ذلك؟
حينما تعرف بأن ما يقدمه لك هو ما ينفعك حقاً فستكون شاكراً له لا محالة، وإن لم تكن كذلك فيجب ان تراجع عقلك.
مشكلة البشر أن خارطة الغيب بالنسبة اليهم غيب! ولكنهم يتصورن أنها واضحة بالنسبة اليهم!
فكم من إنسان يدخل في صفقة تجارية يتصور أنها رابحة لا محالة، فلا يخرج منها إلا وقد أصبح الدائنون يلاحقونه؟
وكم من إنسان يأكل ما يتصور أنه ينفعه، فيكون فيه روحه؟ وكم من خطط يغيرها البشر، المرة بعد الأخرى حينما يكتشف أنها لا تؤدي ما كان يتصور أن تؤديه.

  • مشكلة اغترار الانسان بقدراته

لو توقف البشر عند هذه الحقيقة قليلاً ليعلن عجزه عن معرفة الغيب، لتغيرت عنده الكثير من المعادلات في هذه الحياة، ليس ليتوقف عن التخطيط والتدبير لهذه الحياة، بل لكي لا يؤدي به هذا التخطيط الى الانهيار والانتحار.
المؤمنون بالله -سبحانه وتعالى- تطمئن قلوبهم حينما يعرفون أن كل ما يجري من حولهم هو بعين الله –تعالى- وبتدبيره، فلا تراهم يشكون فقرهم، ولا تراهم يترفون في غناهم، لانهم يعلمون بأنها من الله -سبحانه وتعالى- وبيده لا بيد غيره، أليس الله هو الرب المهيمن على كل شيء؟
حينما سأل النبي سليمان، عليه السلام، تلك النملة عن رزقها، أجابته بأنها تستهلك حبّة حنطة في الشهر الواحد، فحبسها النبي، عليه السلام، و وضع لها حبة واحدة، وبعد شهر جاءها ليرى أنها لم تأكل سوى نصف الحبة، فسألها: ألم تقولي بأنك تأكلين الحبة في شهر؟ فقالت له: نعم؛ لكني حينما قلتها كان رزقي على الله -سبحانه وتعالى- ولم أكن حبيسة عندك، والله لا ينسى خلقه، إلا أنك بشر، وقد تنسى فاقتصدت في الأكل كي لا أموت من الجوع بسبب غفلتك!
وحينما يعلم الإنسان أن المدبر للأمر هو الله -سبحانه وتعالى- وأن مجاري الأمور بيده، وهو الرزّاق ذو القوة المتين، عندها ترى قلبه مطمئناً مهما جرت عليه الأمور الصعاب.

ألا ترى إلى سيد شباب أهل الجنة الإمام الحسين، عليه السلام، في كربلاء، وفي يوم عاشوراء ومهما نزلت به المصائب كان يزداد وجهه يتلألؤاً؟ وحين نزلت المصيبة العظمى على قلبه بذبح رضيعه العطشان بين يديه، وصار الطفل يرفرف بين أحضانه، قالها بقلب مطمئن حزين: “هوّن ما نزل بي أنه بعين الله تعالى”.
وهذه مرتبة عالية من الإيمان والمعرفة بالله تعالى، فليس كل من أراد الوصول اليه وصل، لان غرور البشر يغلب عليه في كثير من الأحيان و يزين له تدبيره.
يقول الله في حديث قدسي: “يابن آدم، أجلك يضحك بأملك، وقضائي يضحك من حذرك، وتدبيري وتقديري يضحك من تدبيرك، وآخرتي تضحك من دنياك، وقسمتي تضحك من حرفك، فإن رزقك موزون معروف مكتوب مخزون، فاستعد للموت بعملك الخير، فان رزقك لا يأكله غيرك {نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا}”.

  • التفويض الى الله والتمتع بالاطمئنان

هل نستطيع أن نوقف الموت؟ كلا؛ إنه نازل بنا لا محالة، فهو يضحك بأمل الإنسان، فكم من إنسان خطط، وخطط، وجمع، وعدّد، ولكنه مات قبل ان يحقق مُناه! وهل من شخص مات وقد حقق أمانيه؟
هل نستطيع أن نَفرَّ من قضاء الله تعالى؟ كلا؛ فنحن صائرون إليه، فلماذا الخوف منه إذن؟ ولماذا لا نسلّم إليه؟
هل تدبيرنا أفضل من تدبير الله لنا؟! أوَ ليس الله -سبحانه وتعالى- أعرف بما ينفعنا وما يضرنا؟
الإمام امير المؤمنين، عليه السلام، يذكرنا في هذا المقطع بهذه الحقيقة، فالإنسان يجب أن يكون بما عند الله أوثق مما في يده، يقول النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله: “مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ أَغْنَى النَّاسِ فَلْيَكُنْ بِمَا فِي يَدِ اللَّهِ أَوْثَقَ مِنْهُ بِمَا فِي يَدِ غَيْرِهِ”. وعن الإمام الصادق، عليه السلام: “الزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا أَنْ لَا تَكُونَ بِمَا فِي يَدِكَ أَوْثَقَ مِنْكَ بِمَا فِي يَدِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ”.
وهذه الدرجة العظيمة من الإيمان تسمى بدرجة التفويض، بأن يفوض الإنسان أمره الى الله -سبحانه وتعالى-، بعد أن يعمل ما بوسعه، فليس التفويض يعني التكاسل عن أداء المسؤولية والواجب، بل أن يكون الإنسان في أعلى مراتب العمل، ولكن لا يقترح على الله بل يرضى بقضاء الله وقدره.
حينما كسر النبي إبراهيم، عليه السلام، أصنام المشركين، و أدحض حججهم، و كلمهم بما يكون في فطرتهم، حين قال لهم: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ}، وبعد كل ذلك أمر نمرود بجمع الحطب في سواد الكوفة عند نهر كوثى، و أوقد ناراً عظيمة ومن شدتها عجزوا عن رمي ابراهيم، عليه السلام، فيها فعمل لهم إبليس المنجنيق.
فحين رموه، تلقّاه جبرئيل في الهواء فقال: هل لك من حاجة؟ فقال: “أَمَّا إِلَيْكَ فَلَا حَسْبِيَ اللَّهُ وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ”، ثم استقبله ميكائيل فقال: إن أردت أخمدت النار، فإن خزائن الأمطار والمياه بيدي، فقال، عليه السلام: “لَا أُرِيدُ”، وأتاه ملك الريح وقال: لو شئت طيرت النار، قال: عليه السلام: “لَا أُرِيدُ”، فقال جبرئيل فاسأل الله تعالى. فقال: عليه السلام: “حَسْبِي مِنْ سُؤَالِي عِلْمُهُ بِحَالِي”.
هذه هي مرتبة التفويض التي يصل اليها الإنسان بأن يترك حتى الإقتراح على الله -سبحانه وتعالى-، ولا يصل الإنسان الى هذه المرتبة إلا إذا عرف حقاً بأن الامور كلها بيد الله –تعالى-، بأن يتجاوز الإنسان كل الأسباب الى ان يصل الى مسببها، لا أن يتوقف عند الاسباب، فليست الأم التي ترضعني هي من تسقيني، فالله هو الذي أجرى الحليب في ثدييها لبنا سائغاً، وفيه كل ما أحتاج.
ألم نقرأ في دعاء عرفة للإمام الحسين، عليه السلام: “ثُمَّ أَخْرَجْتَنِي إِلَى الدُّنْيَا تَامّاً سَوِيّاً وَ حَفِظْتَنِي فِي الْمَهْدِ طِفْلًا صَبِيّاً وَ رَزَقْتَنِي مِنَ الْغِذَاءِ لَبَناً مَرِيئاً وَ عَطَفْتَ عَلَيَّ قُلُوبَ الْحَوَاضِنِ وَ كَفَّلْتَنِي الْأُمَّهَاتِ الرَّواحِمَ وَ كَلَأْتَنِي مِنْ طَوَارِقِ الْجَانِّ وَ سَلَّمْتَنِي مِنَ الزِّيَادَةِ وَ النُّقْصَانِ فَتَعَالَيْتَ يَا رَحِيمُ يَا رَحْمَانُ”.
فليس الأب هو من يرزقني، وليس رب العمل هو من ينعم علي، نعم شكر المخلوق واجب، ولكن لا أن أتوقف عنده، وأغفل عن شكر الله –سبحانه-، فهو مسبب الاسباب.
فالوسائل ـ حتى الأولياء عليهم السلام ـ جعلها الله تعالى للوصول اليه، لكي أعرج من خلالها للتقرب اليه –سبحانه- لا ان اتوقف عندها، فتكون هي الأخرى حجاباً بيني وبين الرب -سبحانه وتعالى-.
ينقل أن الشريف الرضي، رضوان الله عليه، أعاد كل صلواته مرتين، فحين سُئل عن سبب الإعادة أولاً، فقال: ان صلواتي في الشباب قد لا تكون بالشكل المطلوب، وفيها زيادة ونقيصة فأعيدها كي أحرز صحتها.
وحين رأوه يعيدها ثانية سألوه عن السبب فقال: اني كنت أحب الصلاة كثيرا فأخشى ان تكون الصلوات التي صليتها هي لاجل حبي للصلاة لا لله تعالى.
فخشي أن تكون الصلاة حجاباً لا طريقا الى الله سبحانه.

  • كل الأحكام السماوية في مصلحة الانسان

من الجدير أن نذكّر أنفسنا في هذا السياق، بأن الأحكام الشرعية هي في مصلحة الإنسان، فقد خطب النبي، صلى الله عليه وآله، في حجة الوداع قائلاً: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ وَ اللَّهِ مَا مِنْ شَيْ‏ءٍ يُقَرِّبُكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ وَ يُبَاعِدُكُمْ مِنَ النَّارِ إِلَّا وَ قَدْ أَمَرْتُكُمْ بِهِ وَ مَا مِنْ شَيْ‏ءٍ يُقَرِّبُكُمْ مِنَ النَّارِ وَ يُبَاعِدُكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَّا وَ قَدْ نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ”.
فهذه الأحكام ليست إلا في مصلحة الإنسان؛ دنياً وآخرة، ويجب على الإنسان ان يُسلّم لذلك، حتى يؤديها بطواعية نفسه، فكم يكتشف العلم الحديث من أمور ترتبط بالطب، والصحة، والتغذية، والسلوك الاجتماعي، والسياسة، والاقتصاد قد كشف عنها الإسلام، وبشر بها قبل اكثر من الف عام؟
ألم تكن تعاليم السماء تنهى عن كثير من الافعال ليكتشف البشر اليوم ضررها عليه؟ وكم من أمور حببها الدين الحنيف ليكتشف البشر اليوم فوائدها ولمّا يصلوا الى كُنه ذلك؟!
ثم يقول الإمام في مناجاته: “وبيدك لا بيد غيرك زيادتي ونقصي ونفعي وضري”.
فكل زيادة ونقيصة هي بيد الله -تبارك وتعالى- ومعرفة ذلك يزيد الإنسان طمأنينة و يقيناً لتكون له الحياة الطيبة، وإذا عرف الإنسان مصدر الرزق فلا يبحث عنه في غير مصدره.
“الهي إِذْ خَلَقْتَنِي مِنْ حَرِّ الثَّرَى لَمْ تَرْضَ لِي يَا إِلَهِي نِعْمَةً دُونَ أُخْرَى وَ رَزَقْتَنِي مِنْ أَنْوَاعِ الْمَعَاشِ وَ صُنُوفِ الرِّيَاشِ بِمَنِّكَ الْعَظِيمِ عَلَيَّ وَ إِحْسَانِكَ الْقَدِيمِ إِلَيَّ حَتَّى إِذَا أَتْمَمْتَ عَلَيَّ جَمِيعَ النِّعَمِ وَ صَرَفْتَ عَنِّي كُلَّ النِّقَمِ لَمْ يَمْنَعْكَ جَهْلِي وَ جُرْأَتِي عَلَيْكَ إِنْ دَلَلْتَنِي عَلَى مَا يُقَرِّبُنِي إِلَيْكَ وَ وَفَّقْتَنِي لِمَا يُزْلِفُنِي لَدَيْكَ فأسألك بحق محمد وآل محمد أن تديم علي نعمك ولا تنزل علي نقمك”.