فکر و تنمیة

الكلمة الطيبة صدقة

قال الله ـ تعالى ـ في كتابه العزيز: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَآءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ}.

حيث وصف الله الكلمة الطيبة بثبات جذورها وهذا الثبات يمنحها قوة وصلابة، أما عن عِظَمِ أثرها فهو بإمتدادها للسماء، ووصف ثمرها وعطاءها الكبير بأنها تؤتي أُكلها كل حين .

و لإيصال المعنى بقوة ضرب عزوجل مثلاً مقابلاً للكلمة الطيبة؛ وهي الكلمة الخبيثة وكل مافيها من نواح سلبية، فقال: {اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ}، فهي لاتملك عمقاً يجعلها ثابتة بل على عكس ذلك هي هشة ضعيفة، ومن الممكن لأي ريح أو اهتزاز أن يسقطها ويقضي عليها .

فللكلمة أثر مضاعف وفعال على قائلها وعلى من يسمعها، لذلك حضَّ اسلامنا الحنيف، من خلال القرآن الكريم، وروايات أهل البيت، عليهم السلام، على الكلمة الطيبة، ونبذ وذمَّ الكلام الخبيث، ونهى عنه إلى درجة أن جعله من الكبائر، بما فيه الغيبة والنميمة والتنابز بالألقاب وغيرها .

الإحسان إلى الغير يُحوِّل أمره بيد المحسن، أما الإساءة إليه بالكلمة فتحوله إلى عدو مبغض، فعلى المرء التفكير في كلماته التي يتحدث بها إلى زوجته وأسرته، فكم من كلمة حولت ولداً عادياً إلى ولد صالح غاية في الجد والنشاط

واذا اتجهنا لعلم الطاقة نرى أن الكثير من علماء الطاقة وأهل التنمية جربوا الكثير من التجارب لرؤية أثر الكلام الطيب والخبيث، فقد جاء أحدهم بالبندول بيده وبدأ بالتكلم بكل ماهو سلبي ( انا أكرهك، أحسدك، أنت لاتفهم، ….) وغيرها من الألفاظ، فأخذ البندول بالحركة بسرعة وبجنون، وعندما بدأ بالتلفُّظ بكل ماهو طيب وجميل ( أحبك، ما أجمل هذا، كم أنت لطيف…) وكرر تلك الكلمات، عندها أخذ البندول بالحركة بلطف وانسيابية وهدوء.

وأيضا هناك من عرض تجربتهُ، فتحدث مع ثلاث شتلات من الزرع، الأولى لم يكلمها والثانية كلَّمها كلاماً نابيا،ً والثالثة كلاماً طيباً، وكرّر ذلك وبعد فترة كانت حالة الأولى لابأس بها، بينما الثانية اصفرت وذبلت، والثالثة ازداد لمعان أوراقها ونموها، وبدت جميلة على عكس بقية الشتلات.

ونرى أنَّ الكلمة الطيبة لها أثرها على الشخص عند حديثه لنفسه، فلابدَّ أن يكون حديثه لنفسه ايجابياً والَّا أثَّر ذلك على أفعاله، وبالتالي على شخصيته وعلى مجتمعه بكونه فرد منه .

كأن يقول لنفسه: “أنا أستطيع فعل ذلك الأمر،  أنا قادر، أنا شخص له قيمة، …” بينما لو كان حديثه سلبياً: “أنا لاأستطيع، أنا غير قادر … ومرات يتكلم بكلمات نابية عن نفسه فيقول أنا غبي وغيرها من المثبطات”، فيصبح كما يتكلم وتخور قواه عن تكوين شخصية قوية تسير به نحو النجاح ويرضاها الله له .

كما وأنَّ للكلمة الطيبة أثر على الشخص المقابل، فقد جاء في أمالي الصدوق عن ابن زكريا، عن ابن حبيب، عن ابن بهلول، عن جعفر بن عثمان، عن سليمان بن مهران، قال: دخلت على الصادق، عليه السلام، وعنده نفر من الشيعة فسمعته وهو يقول: “معاشر الشيعة كونوا لنا زيناً ولا تكونوا علينا شيناً قولوا للناس حسنا، واحفظوا ألسنتكم، وكفوها عن الفضول وقبيح القول”.

وقال رسول الله، صلى الله عليه وآله: “والذي نفسي بيده ما أنفق الناس من نفقة أحب من قول الخير”.

لذلك علينا أن ندرِّب أنفسنا على الكلام الطيب مع عوائلنا أولاً، ومن ثم مع بقية الأشخاص في المجتمع، سواء في العمل أو في الشارع وفي الأماكن المقدسة …، ومع كل شخص وفي كل مكان ووقت .

وقلت عبارة (ندرِّب أنفسنا) لأن التكلم بالكلام الطيب مع التدريب يصبح ملكة كالصدق والأمانة وغيرها من الصفات الحميدة .

وعلى عكس ذلك من يترك العنان للسانه ولا يهذبه أو ينهاه، يتعوَّد الكلام الخبيث ويصبح ملكة عنده وبئس الملكةِ للأسف .

يقول أمير المؤمنين، عليه السلام: “عود لسانك لين الكلام وبذل السلام، يكثر محبوك ويقل مبغضوك .”

ولضبط النفس دور في إخراج الكلمة المناسبة من الفم بعد التفكير فيها جيداً وأثرها، فقد قال رسول الله، صلى الله عليه وآله: “من ضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه ضمنت له الجنة “،  فالله عزوجل، وأهل البيت، عليهم السلام أولوا عناية كبيرة للسيطرة على اللسان، في القرآن الكريم، والروايات الشريفة، فالكلمة التي تنطلق منّا ونتحدث بها لأنفسنا أو لغيرنا ينبغي أن توزن بميزان العقل والشرع، فيُرى هل أنّ الله تعالى يرضى بها أم لا ؟!

قال رسول الله، صلى الله عليه وآله: “قول الرجل للمرأة إني أحبك لا يذهب من قلبها أبداً”. فلنتلفظ بها ولانكون بخلاء على زوجاتنا وأزواجنا.

ويُفهم الأثر الطيب للكلمة بوضوح من خلال ما رُوي عن إمامنا أمير المؤمنين، عليه السلام، مخاطباً الزوج في قوله: “وأحسنوا لهنَّ المقال لعلهن يُحسِنَّ الفعال”، فالفعل الحسن يترتب على القول الحسن، وهذا أمر بدهي ووجداني، إذْ أنّ الكلمة الطيبة من الإحسان تستعبد المحُسن إليه، ولطالما استعبد الإحسان إنساناً، قال أمير المؤمنين عليه السلام: ” أحسن إلى من شئت تكن أميره”.

للكلمة أثر مضاعف وفعال على قائلها وعلى من يسمعها، لذلك حضَّ اسلامنا الحنيف، من خلال القرآن الكريم، وروايات أهل البيت، عليهم السلام، على الكلمة الطيبة، ونبذ وذمَّ الكلام الخبيث، ونهى عنه إلى درجة أن جعله من الكبائر، بما فيه الغيبة والنميمة والتنابز بالألقاب وغيرها

 فالإحسان إلى الغير يُحوِّل أمره بيد المحسن، أما الإساءة إليه بالكلمة فتحوله إلى عدو مبغض، فعلى المرء التفكير في كلماته التي يتحدث بها إلى زوجته وأسرته، فكم من كلمة حولت ولداً عادياً إلى ولد صالح غاية في الجد والنشاط، فأصبح شخصاً متوازناً وأصبح إنساناً مبدعاً منتجاً في مجتمعه، غير أنّ بعض الآباء، والأمهات يُجرمن في حق أولادهن بكلمات سيئة، يقولها الأب أو الأم في حق الابن، فكلمة واحدة قد تُحطم شخصية الأبناء وتؤثر عليهم سلباً ربما طيلة حياته.

نستطيع أن نبدل الكلام الخبيث بالطيب والسلبي بالايجابي، ومع ذلك نوصل نفس المعنى، بل إنَّ المعنى الذي يصل أقوى أثراً وأجمل وألطف تأثيراً ومثال ذلك: أنا أريد من أحد شيئاً، فأتكلم بطريقة الأمر: “افعل هذا الشيء، ساعدني، اجلب لي كذا..”، أستطيع أن أُبدل هذه الطريقة بقولي:  “لوسمحت ولو تكرمت أحتاج أن تفعل كذا، آجرك الله أحضر كذا، لطفاً منك ساعدني ..”.

وأيضاً أستطيع أن أبدل كلمة “أنا اكره فلان بأنا لا أستلطف فلان”.

أستبدل قولي لابني او ابنتي عندا لاأحب عملاً أو تصرفاً منهم: “أنا لا أحبك لأنك فعلت كذا ب أنا لاأحب عملك هذا”.

استبدل قولي لصديقتي: “وجهك شاحب وأصفر ب عافاك الله ورعاك”، وغيرها وغيرها من الأمثلة.

  • علاج الكلمة الجارحة

إذا تعرضتُ لكلام جارح وأثر بي؛ فما هو العلاج ؟

للكلمة قوة وأثر كما ذكرنا، فكيف بها اذا كانت جارحة وأثرت في القلب الذي هو حرم الله، هنا لابدَّ لنا أن نعودَ لسنتقي علاجاً من شرعنا، واسلامنا الحنيف، حيث يشير القرآن العظيم في كثيرٍ من المواضع إلى هذه الوقاية والعلاج، منها قول الله عزوجل: {وَلَقَد نَعلَمُ أَنَّكَ يَضيقُ صَدرُكَ بِما يقولون * فَسَبِّح بِحَمدِ رَبِّكَ وَكُن مِنَ السّاجِدينَ} .

وفي قوله تعالى: {فَاصبِر عَلى ما يَقولونَ وَسَبِّح بِحَمدِ رَبِّكَ قَبلَ طُلوعِ الشَّمسِ وَقَبلَ غُروبِها وَمِن آناءِ اللَّيلِ فَسَبِّح}. فالتسبيح بقلب واعٍ لا لقلة لسان ؛ يقي القلب من أي أذى يسببه الكلام الجارح، وهو ليس وقاية فحسب، بل يورثك رضا تشعر به ويستقر في قلبك .

عن المؤلف

المُدربة: عبير ياسر الزين

اترك تعليقا