المرجع و الامة

ما السبيل الى رؤية سياسية واعية؟

  • مقدمة سياسية

السياسة في فكر المرجعية الدينية هي مسؤولية كُبرى يقع على عاتق القائمين عليها تربية وتعليم وتزكية أبناء المجتمع، مع حفظ مقدراتهم، وحدودهم، والدفاع عن بلدهم بكل طريقة أمكنهم، وتلك هي مهمة القيادة في الشريعة الإسلامية، وبذلك تحفظ دين العباد ودنياهم، وتدفعهم باتجاه التقدم والرقي الحضاري.

والمرجعية المباركة الرشيدة عندما توجِّه تحذيراً فهذا يعني أنها ترى خطراً حقيقياً، وخللاً واقعياً في الحياة السياسية، فتنطلق من موقع المسؤولية الشرعية الدينية، وتنطق بلسان الأبوة الحنونة العطوفة، لتُنبِّه الأخوة المشتغلين والمتصدِّين للشأن السياسي في البلد لتنبههم إلى هذا الخطر، أو ذاك الخلل الذي تراه بعين مفتوحة على شرع الله، والأخرى على الواقع المأزوم للبلد.

والسياسة في فكر ورؤى سماحة السيد المرجع المدرسي (حفظه الله) هي نابعة من الإسلام العظيم إذ أن الإسلام لا يقتصر على العبادات والمجاهدات والأخلاقيات في الفقه وما يرتبط بهذا المجال الحيوي الرائع، ولا هو يقتصر على الجوانب الفكرية العقائدية والكلامية المختلفة في إثبات المبدأ والميعاد، والنبوة والإمامة، بل هو منظومة متكاملة لقيادة الحياة برمتها في كل شأن من الشؤون، أو جانب من الجوانب، بحيث أنك لن تجد ثغرة فيه وتقول: أن الإسلام أغفلها.

فالإسلام جاء ليضبط حركة الحياة، ويقودها إلى الخير والفضيلة والسعادة، ويوجه سلوك الإنسان فيها لتحقيق آماله في الحرية والرفاه والكرامة، فالشريعة هي المنهج السويّ الواضح الذي حدّده الدِّين وأرشد إليه، فهي السياسة، والاقتصاد، والاجتماع، وهذه كلها يتحكم فيها السياسة والقيادة، لذا لا يمكن إغفال الشأن السياسي، ومعروف عن سماحة السيد المدرسي (حفظه الله) اهتمامه في الشأن السياسي منذ عقود من الزمن، وله منهجه وفكره السياسي الذي تناوله الكثير من الأخوة والأخوات من الباحثين والباحثات، لا سيما الأخت الباحثة: (رغد إبراهيم علوان؛ وبحثها “الفكر السياسي عند السيد محمد تقي المدرسي”، وهي أطروحة الماجستير في العلوم السياسية)، حيث استقصت جهدها وطاقتها عن الفكر السياسي لسماحته وتطبيقه على أرض الواقع.

تقول الباحثة عن سماحته: “فهو يُعد من المجددين في الفكر السياسي الإسلامي المعاصر، وأفكاره السياسية تتناسب مع الطروحات الحديثة من جانب، ولا تخالف الدِّين الإسلامي من جانب آخر”.

وتقول أيضاً: “يُعد السيد المدرسي من الشخصيات الإسلامية المعاصرة، التي تميزت بالقدرة على التجديد من خلال تحديده للهدف الأساس الذي تتوخاه حركة الاجتهاد الفقهي وتتأثر به، وهو تمكين المسلمين من تطبيق النظرية الإسلامية في المجالين الفردي والاجتماعي، لقد تعددت الرؤى والطروحات الفكرية للسيد المدرسي لتشمل كل جوانب الحياة، وتبلورت في كتبه وبحوثه العلمية التي يُحاول من خلالها تأكيد شمولية الإسلام لمعالجة كل تلك المجالات الحيوية”.

 

يُعد المرجع المدرسي من المجددين في الفكر السياسي الإسلامي المعاصر، وأفكاره السياسية تتناسب مع الطروحات الحديثة من جانب، ولا تخالف الدِّين الإسلامي من جانب آخر

 

فسماحة السيد المدرسي (دام عزه)، مفكراً سياسياً إسلامياً من الطراز الرفيع، الذي يشهد له الواقع الإسلامي منذ نصف قرن، “والسياسة هي رأس الحياة الاجتماعية وقيادتها، فهي الأساس في الشريعة، ولا يمكن تطبيق الشريعة إلا عن طريق السياسة: “وهي المسؤولة على الدفاع والأمن والنظام، وغايتها الأسمى المحافظة على العدل بين الناس وهي تعني طائفة من الغايات السامية بذاتها، وأهمها:

1- حماية الأُمة عن العدوان الخارجي

2- صيانتها عن المظالم الاجتماعية (العدوان الداخلي فيما بين البشر).

3- توفير الحريات الأربع للناس (وهي؛ الاقتصادية، والسياسية، والفكرية، والشخصية).

ويمكننا تبينّ الغاية الأسمى التي تهدفها السياسة في الإسلام من الآية الكريمة: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ}. (الحديد: 25).

فأما “القسط”؛ فهو الهدف الذي يسعى إليه بعث الرُّسل، و”إنزال الكتاب والميزان”؛ فهي كلمة جامعة لكل الغايات الثلاثة من حماية الأُمة وحفظها من أن تعتدي على غيرها، أو تقع ضحية عدوان الآخرين، وصيانتها عن أن يعتدي بعضها على بعض (بجهل أو جهالة)، وعن اغتصاب السلطة حرياتها، ذلك أنه لو وقع شيء من ذلك لارتفع القسط ووُضع مكانه الظلم بصفة عامة، وتدخل ضمن هذه القاعدة الكلية:

  • حماية الحقوق المدنية، فإن “المسلم حرام على المسلم، دمه وماله وعرضه“، وعليه فقد ألزم وأوجب النظام الإسلامي؛ المعتدي أشد العذاب، ولا حقه في كل مكان.
  • حماية كرامة المواطن؛ مسلماً كان أو ذمياً، فالمتهم بريء حتى تثبت إدانته، ولا بدَّ من حمل فعل المسلم على الخير ما دام يحتمل ذلك.
  • توفير الحريات الاقتصادية، والسياسية، والفكرية، والشخصية لكل فرد من أفراد المجتمع، ثم المحافظة على هذه الحريات من كل استغلال واحتكار وسيطرة وتضليل..). (القيادة الإسلامية؛ جواد كاظم: ص105 بتصرف).

 

  • الحرص على الأمة

فالمتابع للحركة العلمية لسماحة السيد المرجع المدرسي يجده يتنفس الإسلام العظيم كما يتنفس الهواء، ويتشرَّب هموم الأمة كما يشرب الماء، ويتناول مختلف قضاياها كما يتناول الطعام، فقد نذر نفسه لخلاص أمته بكل محبة وإخلاص، وهذا ما عرفتُه من كتبه التي تربيتُ عليها، ثم شعرتُ به منذ أن عرفتُه ورافقتُه فكرياً وحياتياً – بما سمحت الظروف ـ ولكن لا أذكر أن هناك كتاباً لسماحته سمعتُ به أو رأيتُه إلا وبادرتُ إلى قراءته، إلا بعض الكتب التي صدرت مؤخراً ولم أستطع الحصول عليها بسبب الظروف الحالية القاهرة.

 

من المعروف أن الثقافة تُشكل جزءاً أساسياً من العقيدة والإيمان والعبادة، فمن دون العلم، والوعي السليم، والرؤية الصائبة لا يمكن أن يكون لدى الإنسان عقيدة صحيحة وإيمان

 

فسماحة السيد المرجع هو من الأشخاص الذين عاشوا في الأمة للأمة، فتراه يغوص في الثقلين (الكتاب الحكيم، والعترة الطاهرة)، فيجمع الدُّرر الحسان، ثم يفيض علينا ما جمعه من اللؤلؤ والمرجان، في كل حقل، ومجال وشأن من شؤون الفكر والثقافة والأخلاق والقيم الإسلامية الأصيلة، في السياسة، والاقتصاد، والاجتماع، والتاريخ، والسيرة العطرة لرسول الله، صلى الله عليه وآله وأهل بيته الأطهار، عليهم السلام.

 

  • بصائر الواقع السياسي

وللبصيرة شأن مهم جداً في حياتنا الواقعية، ولا يكون لنا بصيرة نافذة في الحياة إلا إذا امتلكنا الوعي الحقيقي في كل قضايانا الهامة والضرورية، “ومن المعروف أن الثقافة تُشكل جزءاً أساسياً من العقيدة والإيمان والعبادة، فمن دون العلم، والوعي السليم، والرؤية الصائبة لا يمكن أن يكون لدى الإنسان عقيدة صحيحة وإيمان”، كما يقول سماحته، فالبصيرة السياسية النافذة تكون من العلم بالسياسة، والفهم الحقيقي لمجريات الواقع المعقدة، ومؤامرات الأعداء في هذا العصر.

ومن هذا المنطلق تجد أن سماحة السيد المرجع الديني، والمفكر الإسلامي القدير، بين فينة وأخرى يُحذِّر من خطر يستشعره في واقع الأمة، ويُنبِّه المسؤولين ويضعهم في خانة المسؤول عن البلاد والعباد، ليُقيم الحجة عليهم، ولا يقول أحدهم لم يُنبهنا أحد ونحن كنا عن هذا من الغافلين.

 

  • خارطة الطريق

وفي هذا السياق المسؤول كان حديث سماحته في الأيام الأخيرة حيث حذّر الأمة وأهل السياسة، من عودة الديكتاتورية والاستبداد من الداخل، أو الاحتلال إلى البلد من الخارج، ما لم تقم الأحزاب، والمنظمات السياسية بواجبها التاريخي بحفظ البلد وحمايته، مبيّناً أن المجتمع لا يتحمل الفساد السياسي، ولا التمزّق، ولا التراشق المستمر للاتهامات، والكلمات البذيئة في الإعلام، ولا حالات سفك الدماء بلا دليل.

وقال سماحته كلمته الأبوية صريحةً واضحةً وضوح الشمس: “إن المؤسسات السياسية أشبه ما تكون بأعمدة الدَّولة، فإن صلحت وقويّت صلحت الدَّولة وقويَت، وإن فسدت كان الفساد هو الحاكم على جميع أجهزة الدولة”.

وبيّن سماحة المرجع المدرسي في كلمته، أبرز المسؤوليات التي تقع على عاتق أي تجمّعٍ سياسي، ممَنْ يروم خوض الانتخابات المبكرة القادمة، وتتمثل فيما يلي:

أولاً: رعاية وحدة العراق، ليس السياسية فحسب، بل الوحدة المجتمعية أيضاً، مؤكداً على الحاجة إلى السلام المجتمعي، في ظل ما نراه من إساءة استخدام البعض للحرية الموجودة في البلد، لإفساد النسيج الاجتماعي، وإشعال الفتنة”، وقال: “إن الغاية من وجود البرلمان إنما هو انصهار الخلافات في بوتقة الوطنية”. ولذا على كل سياسي أن يبحث عن مرضاة الرب سبحانه في خدمة المجتمع، وتحقيق مصالح الشعب كله..

ثانياً: البحث بين أبناء الشعب عن الكفاءات المخلصة، والمتميّزة بدينها وكفاءتها وأمانتها، إذ ينبغي أن يكون هدف الأحزاب البحث عن الكفاءات في الناس وتوفير المسار المناسب لها للوصول إلى المنصب المناسب”، فيجب وضع الإنسان المناسب في مكانه المناسب بكفاءته.

ثالثاً: البحث عن المشروع السياسي والاقتصادي والاجتماعي الأنسب، والذي يمكن أن يتم عبر استشارة أكبر عدد ممكن من الكفاءات، وهكذا عبر عمل استفتاءات واستبيانات مجتمعية، كما عبر تشكيل مراكز دراسات لهذا الغرض”، وذلك لرسم خارطة طريق لبناء المستقبل المنشود لعراق الغد المشرق برجاله وكفاءاته وعلمائه في كل المجالات والميادين.

رابعاً: دراسة تجارب الأمم التي نهضت بعد تخلّفها، واستقدام الخبرات منهم، للاستفادة من تجاربهم، ليكون لكل حزبٍ رؤية شاملة وعملية لمعالجة مشاكل البلد، بل يكون لكل حزبٍ أفراد مهيئين لتسنّم المناصب العليا، بعد إعدادهم المسبق ومنحهم الخبرة الكافية لشغل المنصب”.

بهذه الخطوات الأربعة التي بيَّنها سماحة السيد المرجع المدرسي (حفظه الله) يمكن للعاملين في الشأن السياسي والمتصدين له في العراق أن يُنقذوا العراق من هذا الخطر الداهم له، وينتشله من الفساد الذي عمَّ حتى طمَّ البلاد والعباد بشره ومصائبه.

نسأل الله تعالى أن يحفظ سماحة السيد المرجع ذخراً وذخيرة للإسلام والمسلمين، والعراق وأهله الكرام أجمعين بحق محمد وعترته الطيبين الطاهرين.

عن المؤلف

الحسين أحمد كريمو

الحسين أحمد كريمو

اترك تعليقا