مناسبات

تأملات في شهادة الإمام العسكري

تقديم عقائدي

يقول العلامة الشهرستاني في كتابه الملل والنحل: “وأعظم خلاف بين الأمة خلاف الإمامة إذ ما سُلَّ سيفٌ في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سُلَّ على الإمامة في كل زمان“، وذلك لأن الإمامة أُخذت هنا بالمعنى الضيِّق لها؛ والتي تعني الحكومة، والسلطة، والخلافة، والسياسة.

فالإمامة أصل من أصول الدِّين والعقيدة، كما النبوَّة تماماً، ولكن بسبب عدم فهم حقيقتها، وكثرة المشاجرات عليها، جحدتها طوائف كثيرة من هذه الأمة، وحتى أن أهل الإمامة قالوا: “أنها من أصول المذهب وليست من أصول الدِّين”، وهذا خطأ وقعوا فيه ليُرضوا الأطراف الأخرى وغاب عنهم أن الأطراف الأخرى كلها لن يرضوا عنهم حتى يتَّبعوا مللهم ونحلهم كما أكد القرآن الحكيم بخصوص اليهود والنصارى بقوله سبحانه: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ}. (البقرة: 120).

 

فهذه قاعدة عامة وسُنَّة من سنن الأديان والمجتمعات البشرية، وذلك لأن تغيير العقائد والأفكار هي من أصعب التغييرات في الحياة الاجتماعية، وكل رضيَ بموروثه، وأفكاره، وعقائده، إلا الذين يعيشون قلق الحقيقة والمعرفة، والبحث عن الحق إلى أن يصلوا إليه كسلمان المحمدي وأمثاله من نوادر المجتمعات البشرية، لأنهم جواهرها المفقودة فيها.

 

والإمامة هي روح الولاية، والولاية ضمير الدِّين والرِّسالة، ولكن حصرها بالقسم التنفيذي من السلطة السياسية والخلافة والحُكم، هو ظلم لها في الحقيقة والواقع لأنه تحجيم لها من جهة، وإبعاد لها من حياة الأمة وإبعاد الأمة عن أئمتهم الحقيقيين الذين نصبهم الله لخلقه، وجعلهم قادة وسادة وأولياء الأمور الدينية والدنيوية، وهذا ما ألحق ظلماً فادحاً بالإمامة والأمة على حد سواء.

فتحجيم دور الإمام، عليه السلام وخطفه وسرقته من الأمة كما فعلت سلطة قريش الظالمة لا يعني بحال من الأحوال أن أولئك صاروا أئمة الدِّين، بعد أن صاروا حكام الكراسي، فالقاعدة الرسالة والحياتية تقول: “أن لكل نبي وصي، ولا يمكن أن تخلو الأرض من حجة لله ظاهر مشهور، أو غائب مستور“، كما في عصرنا الأغبر هذا.

 

  • دور الإمام في الأمة

نأخذها من معدنها الأصيل من سماحة السيد المرجع المدرسي (حفظه الله) حيث يقول مبيناً: “معروف أن دور الأئمة، عليهم السلام امتداد لدور الأنبياء، ورسالتهم هي تلك الرسالة الخالدة التي بشَّرت بها كتب السماء، من الدعوة إلى الله، والترغيب في ثوابه والترهيب من شديد عقابه! وسَوق الناس إلى اتِّباع رضوانه، وتزكية نفوسهم من الرذائل، وتطهيرها بالحب، والإيمان، والخلق الفاضل، ثم تعليمهم شرائع دينهم.

 

كان من أبرز مسؤوليات الأنبياء، عليهم السلام، قيادة المجتمع المؤمن بما لهذه المسؤولية من علاقة بتطبيق أصول القيم الإلهية على مفردات الحياة اليومية، وبتمثيل تلك الأصول ضمن مواقف وفاعليات وأنشطة، حتى يُصبح النبي والإمام من بعده ثم الصديقون قدواتٍ وحججاً على الخلق، وليقطعوا عنهم حبل المعاذير والتبريرات، وليشحذوا ويشحنوا عزائمهم بومضات من الإرادة

 

وكان من أبرز مسؤوليات الأنبياء، عليهم السلام، قيادة المجتمع المؤمن بما لهذه المسؤولية من علاقة بتطبيق أصول القيم الإلهية على مفردات الحياة اليومية، وبتمثيل تلك الأصول ضمن مواقف وفاعليات وأنشطة، حتى يُصبح النبي والإمام من بعده ثم الصديقون قدواتٍ وحججاً على الخلق، وليقطعوا عنهم حبل المعاذير والتبريرات، وليشحذوا ويشحنوا عزائمهم بومضات من الإرادة.

 

ومن هنا لا ينبغي أن نُحددَ دور الإمام في الحقل السياسي بالمعنى الضيِّق للكلمة بالرغم من أن السياسة تمثل تقاطع سائر الحقول، أَوَلَيست الثقافة ذات تأثير على السياسة؟ أَوَلَيس الاقتصاد والتربية والأنظمة الاجتماعية هي العوامل التي تصنع السياسة؟

 

ومن هنا يجب أن نفرِّقَ بين معنيين للسياسة، المعنى الخاص الذي يعني إدارة القوى الاجتماعية ذات التأثير في عالم الحُكم، والتي يقوم بها السلاطين والرؤساء السياسيون، وهذه هي السياسة المباشرة (المعنى الضيّق للكلمة)، والمعنى العام الذي يعني صنع القوى الفاعلة في المجتمع والتي تؤثر بالتالي في عالم الحُكم؛ وهي السياسة غير المباشرة، والتي يقوم بها – عادة – المصلحون وأصحاب المبادئ التغييرية (وهذه السياسة بالمعنى العام).

 

ولا ريب في أن الأنبياء وأوصياءهم كانوا يقودون عملية التغيير، وثورة الإصلاح بكل أبعادها الثقافية (نشر الدعوة)، والتربوية (تزكية النفوس)، والاجتماعية (تكوين التجمع الايماني وتنظيم علاقاته)، كما كانوا يتعاطون أحياناً السياسة بالمعنى الخاص حيث يُديرون البلاد بصورة منفردة أو يشتركون في الإدارة مع سائر القوى. (الامام العسكري (ع) قدوة وأسوة؛ السيد محمد تقي المدرسي:  ص26).

 

فالإمام في الأمة هو الأصل وكل ما سواه فرع يجب أن يعود إليه، ولولا الإمام لما كانت الأمة أصلاً، فتسمية أمة يجب أن يكون لها إمام تقتدي به وتتخذه مقياساً، ومعياراً لها في حياتها، وإلا فهي مجرد شعب، أو طوائف، أو تجمعات بشرية، يحكمها نوع من السلطة ويجمعها شكل من الأشكال الاجتماعية المعروفة عبر العصور، فالإمام كالروح في الجسم الذي يُعطيه المعنى والحركة ليصدُق عليه إسم إنسان، وإلا فهو جثَّة، أو جسم من صلصال، أو حمئ مسنون.

 

  • الإمام العسكري يحتفل بوريثه الرسالي

بما أن مسألة الإمامة والوصية هي من الأصول العقائدية، لأنها تعني الإمتداد الدِّيني، والوراثة الرِّسالة بين الأجيال، لاستمرار الحُجة على العباد، “فالحجة قبل الخلق، ومع الخلق وبعد الخلق” كما في الحديث الشريف، ولكن ما تعرَّض له حجة الله على خلقه الإمام الحسن العسكري، عليه السلام، في عصره حيث وُضع في مدينة العسكر، وفُرضت عليه الإقامة الجبرية، والمراقبة الفرعونية عليه وعلى نسائه وإمائه من قبل فراعنة بني العباس ليمنعوا أن يُولد له مولودٌ لأنهم على علم ويقين أنه سيكون الإمام الثاني عشر، عليه السلام، فحاولوا جهدهم وجهادهم أن يمنعوا أمر الله تعالى في خلقه ولكنهم لم يستفيدوا من قصة كليم الله موسى، عليه السلام، وفرعونه الذي حاول وأصرَّ على قتله فوُلد رغماً عنه وتربَّى في بيته وقصره ليكون هلاكه وذهاب ملكه على يديه المباركتين، وهكذا كان طغاة بني العباس يُحاولون منع ولادة حُجة الله عليهم، فوُلد بينهم، وتربَّى وترعرع خمس سنوات إلى أن استشهد والده العظيم وهو في ريعان شبابه بالسُّم العباسي، في 8 ربيع الأول 260هـ .

 

الإمام في الأمة هو الأصل وكل ما سواه فرع يجب أن يعود إليه، ولولا الإمام لما كانت الأمة أصلاً، فتسمية أمة يجب أن يكون لها إمام تقتدي به وتتخذه مقياساً، ومعياراً لها في حياتها

 

ومن مراسيم ولادة الطفل في الشريعة الإسلامية هي العقيقية، والإعلان، والتسمية، والأذان في الأذن اليمنى، والإقامة في الأذن اليسرى، والتحنيك، وإكرام القابلة، وغيرها من السُّنن المعهودة، ولكن كان للإمام الحسن العسكري، عليه السلام، مسائل جعلت الناس يحتارون فيها إلى اليوم فبعضهم لا يُصدقها، أو يُشكك فيها لأنها خارجة عن المألوف عبر العصور، ومن تلك الأعمال العقيقة.

 

  • عقيقة ليست كالعقائق

 والعقيقة واحدة، للذكر ذكر، وللأنثى أنثى، وأما عقيقة الإمام الحسن العسكري لولده الإمام محمد بن الحسن المهدي فلم تكن واحدة بل مئات؛ فعن الحسن بن المنذر عن حمزة بن أبي الفتح قال: كان يوماً جالساً فقال لي: “البشارة ولد البارحة مولود لأبي محمد وأمر بكتمانه، وأمر أن يعق عنه ثلاثمائة شاة، فقلت: وما اسمه؟ فقال: يسمى محمد“. (منتخب الأثر، ص343).

 

وما يؤكد هذه العقيقة الكبيرة وصول خرفان منها إلى الأصحاب، مع رسائل تؤكد أنها عقيقة ولده ويُسميه لهم لتقر عيونهم بالوريث الرسالي، فيتحدث إبراهيم صاحب الإمام العسكري عليه السلام، فيقول: وجّه إليَّ مولاي أبو محمد بأربعة أكبش وكتب إليّ: “بسم اللَّه الرحمن الرحيم، هذه عن ابني محمد المهدي، وكُلْ هنيئاً وأطعم من وجدتَ من شيعتنا“. (الإمام المهدي، ص126).

وعن محمد بن إبراهيم الكوفي: “أن أبا محمد الحسن العسكري بعث إلى بعض مَنْ سمَّاه لي شاة مذبوحة وقال: هذه من عقيقة ابني محمد“. (منتخب الأثر، ص343).

 

ولم يكتفِ الإمام العسكري، عليه السلام، بكل هذه العقائق بل أراد أن يُوصل الخبر والبركة إلى كل أتباعه وشيعته ومحبيه، ولهذا كلَّف أحد أصحابه الثقاة بتوزيع كمية كبيرة من الخبز واللحم على شخصيات بني هاشم ووجهاء الفئة المؤمنة وبطريقة غير مثيرة، وذلك للاستبشار بمولد الإمام المنتظر.

فقد ورد عن أبي جعفر العمري قال: لما ولد السَّيد (إشارة إلى الإمام المهدي) قال أبو محمد العسكري: “ابعثوا إلى أبي عمرو“؛ فبعث إليه فصار إلى الإمام.

فقال له الإمام العسكري عليه السلام: “اشتر عشرة آلاف رطل خبز، وعشرة آلاف رطل لحم، وفرِّقه حسبة على بني هاشم وعقّ عنه بكذا وكذا شاة“. (منتخب الأثر، ص341).

هكذا احتفل الإمام الحسن العسكري، عليه السلام، بولده المبارك الذي انتظرته الدنيا قرونا متطاولة من أبيه آدم، عليه السلام وحتى ولد في مدينة العسكر، وتحت الحصار والسجن العباسي، ليكون للعالمين أملاً بمستقبل العدل والقسط، والحكومة الرَّبانية التي انتظرها الإنسان منذ فجر الإنسانية، ولكن لم تتحقق تلك الأمنة في دولة عالمية، ونظام كوني يقوم على شرع الله ويُطبَّق بالحق والعدل بين البشر حيث تنتفي الحاجة، والفقر، والتخلف، وينتشر الخير في البلاد والعباد.

 

فاحتفال الإمام العسكري عليه السلام، بولده الإمام المهدي، عجل الله فرجه، ليس احتفالاً عادياً كما يفعل البشر والناس عادة بل هو احتفاء بالمولود الرِّسالي، واحتفال بالامتداد الدِّيني له الذي يحفظ الدِّين الإسلامي الحنيف، ويكون أمل الدنيا بالقسط والعدل حين تمتلئ بالظلم والجور، ويكون المصلح الأعظم حين ينتشر ويعمُّ الفساد ويحكم المفسدون هذه الدنيا ويُضيِّقونها على أهل الصلاح والإصلاح فيكون هو الأمل بصلاح الدِّين والدنيا.

السلام على إمامنا العسكري في يوم شهادته، وعلى ولده الأمل المنتظر الموعود من بعده.

عن المؤلف

الحسين أحمد كريمو

الحسين أحمد كريمو

اترك تعليقا