مَا بَينَ الْقُبُورِ وَالقُصُورِ

لماذا تُهدمُ قبورَ الأولياءِ وتُبنَى قُصورَ الأشقياءِ؟

0
  • تقديم عَقَدي

ما يجب أن ننطلق منه هو كتاب الله وكلام الله أصدق الكلام، وفضله على بقية الكلام كفضل الله تعالى على خلقه، وهو الذي قال عن تقدير واحترام أصحاب الكهف: {وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا}. (الكهف: 21).
فالله تعالى يُعطينا حقائق، وما يجب أن يكون، وهو ما يُرضيه ويرتضيه في هذه الحياة، وليس هو في مقام التورية أو المراضاة لأحد من خلقه، فهذا الذي يحكيه ويُقرره في قصة أصحاب الكهف هو الأمر الصحيح الذي يجب أن تكون عليه حالة مدافن الأولياء، فتُبنى عليها المساجد لتكون بركة ومزاراً لأنها من مهابط الرحمة، ومزار الملائكة، وهي الأماكن المفعمة بالطاقة الإيجابية، والنشاط والحيوية كما يقول العلماء اليوم.

وإذا لم يكن لدينا دليلاً على البناء على القبور إلا هذه الآية الكريمة لكفانا دليلاً على الأمر ببنائها واستحبابه عند الله تعالى، فكيف ولدينا العشرات إذا لم يكن المآت من الأحاديث والروايات التي تأمر وتُحبِّب لنا الزيارة لقبور الأنبياء والأولياء والصالحين وحتى قبور الوالدين والأجداد؟
ولكن جاءنا بعد قرون من السيرة العلمية والعملية للأمة الإسلامية مَنْ لا دين لهم ولا عقل أيضاً، لا سيما هؤلاء الذين خرجوا من قرن الشيطان (نجد الملعونة)، الذي وصفهم رسول الله، صلى الله عليه وآله بأوصاف كثيرة وشنيعة كما في صحاحهم ولا يستطيعون إنكار شيء منها كقوله: “الإيمان يَمان ألا إن القسوة وغلظ القلوب في الفدادين عند أصول أذناب الإبل حيث يطلع قرنا الشيطان في ربيعة ومضر”. (أخرجه والبخاري، ومسلم، وأحمد، وأبو عوانة).
وقال صلى الله عليه وآله: “إن من هنالك يطلع قرن الشيطان وبه تسعة أعشار الكفر وبه الدَّاء العُضال”. (أحمد، والطبراني)، وقوله: “هُنَاكَ الزَّلاَزِلُ وَالْفِتَنُ، وَبِهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ“.

[.. قال النبي الاكرم، صلى الله عليه وآله: “الإيمان يَمان ألا إن القسوة وغلظ القلوب في الفدادين عند أصول أذناب الإبل حيث يطلع قرنا الشيطان في ربيعة ومضر” ..]

ويُنكروا كل رواية صحيحة، ويضربوا بكل سُنَّة متواترة، لقول كذاب كأبي هريرة الذي جَلَدَه فاروقهم، لسرقته أموال البحرين، ومنعه من الحديث لكثرة كذبه، فيخترع لهم شيطانهم ديناً جديداً يقتلون الأمة بعد أن يُكفِّروها، ويُهدِّمون تراثها، ويُدمِّرون آثارها وأوابدها التي تدلُّ الأجيال على فخرها وشرفها وكرامتها وتربطهم برسولهم وعظمائهم بحجَّة أنها بِدعة في الدِّين فهذا ملا تقوم له السماوات والأراضون.
البِدعة في الدِّين ما هي؟
قال رسول الله، صلى الله عليه وآله: “إِنَّ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ“.(الطوسي، الأمالي، ص337).
قال الخليل بن أحمد: البِدَع: إحداث شيء لم يكن له من قبل خَلق، ولا ذِكر، ولا معرفة (إبداع). والبِدْعَة: اسم ما ابتُدع من الدِّين وغيره، والبِدعَة ما استُحدِثَ بعد رسول اللّه صلى الله عليه وآله، من الأهواء والأعمال)
وقال المتشرِّعة من العلماء: “هي الحَدَثُ في الدِّين وما ليس له أصل في كتاب، ولا سنّة، وإنّما سُمِّيت بدعة؛ لأنّ قائلها ابتدع هو نفسه)، أي اخترعها، وأنشأها، وابتدأها من نفسه فابتدعها”.

فالبِدعة؛ هي إخال في الدِّين والعقيدة والعبادة ما ليس منها بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ، حيث أكمل الله الدِّين، وبيَّن رسول الله الأحكام والشرائع، فحلاله حلال إلى يوم القيامة، وحرامه كذلك، ولكن في كل عصر ومصر يأتيك من الخوارج على الملَّة فيضعون فيها ما ليس منها، كما فعل رجال السلطة القرشية، والعجيب انهم سموها: (بِدعة حسنة)، وليس في الدِّين بِدعة حسنة أبداً لأنها ضلالة كما سمَّاها رسول الله، صلى الله عليه وآله والضَّلالة لا تكون حسنة مطلقاً.
فالبِدعة فيما أصاب هذه الأمة من أولئك الذين ابتدعوا الكثير من الأعمال والعبادات وهي مجرَّد استحسانات لا دليل عليها من كتاب الله ولا سُنَّة رسوله صلى الله عليه وآله ، بل هكذا رأى الحاكم أن يفعل لأنه راق له ذلك، أو هكذا أَطهر، أو أنظف، أو هي “كانت على عهد رسول الله وأنا انهى عنها وأعاقب عليها”، والغريب أن جُهَّال هذه الأمة مازالوا يبحثون عن مبررات لتلك البِدعة، ويأخذون كل دينهم من صاحبها إلا اعترافه بأنه اخترعها معارضاً لله ورسوله، صلى الله عليه وآله وبكل جُرأة وصلافة كما هو المعهود عنه، فلماذا أيها الجُهَّال تفبركون؛ فإما أيِّدوا فاروقكم على بِدعته، أو أنكروها عليه، وأصحروا بالحقيقة كما فعل هو منذ البداية، فهي حلالة ومشروعة وهو الذي حرَّمها من عند نفسه، ولماذا تأخذون التحريم ولا تأخذون الحِلَّ منه إذ أنكم رويتم أنه أحلَّها فيما بعد؟

[.. لقد قام بني سعود بتدمير معظم تراث النبي والصحابة والمسلمين في الأماكن المقدسة، ومَنْ أراد الإحصاء عجز عنه، فهدموا البيت الذي ولد فيه النبي العربي محمد بمكة، وبيت السيدة خديجة زوجة النبي، والبيت الذي ولد فيه علي بن أبي طالب…]

 

  • البدعة الوهابية والفتنة الجاهلية

فالناظر بعين الحقيقة والدِّين والتاريخ يجد أن البِدعة الحقيقية في الدِّين الإسلامي هو ما أحدثه صبيان المخذول ابن تيمية، وتلاميذه من الخوارج الضالة، وما جاء به شيطان نجد ابن عبد الوهاب بكل ما فيه من شرور وخبائث ورذائل فجاء بدين جديد اخترعه من عند نفسه، بعد أن أخذ أصوله الفاسدة من أستاذه ابن تيمية، فأضاف عليه بما أملاه فكر الماسونية العالمية، ومتطلبات الصهيونية الذين كانوا يرسمون الخطة للعودة إلى فلسطين وإنشاء دولة يهودية في قلب العالم الإسلامي والأمة العربية.

وذلك بعد دراسة طويلة للفكر الإسلامي وعقيدته المتينة التي لم يستطيعوا مقاومتها إلا باختراقها من داخلها وتكفيرها بلسانها فاخترع هؤلاء اللعناء الوهابية، ودفعوا صبيان بني سعود اليهود للسيطرة على المنطقة لا سيما الحرمين الشريفين، والبدء بتدمير التراث الإسلامية كله، بخطَّة ممنهجة تطال كل ما لدى المسلمين من آثار عينية، أو منقولة، أو مكتوبة وبدؤوا بتدميرها الواحدة تلو الأخرى حتى دمروا أكثر من 99% منها، باسم البِدعة وعبادة القبور.

لقد قام بني سعود بتدمير معظم تراث النبي والصحابة والمسلمين في الأماكن المقدسة، ومَنْ أراد الإحصاء عجز عنه، فهدموا البيت الذي ولد فيه النبي العربي محمد بمكة، وبيت السيدة خديجة زوجة النبي، والبيت الذي ولد فيه علي بن أبي طالب، والبيت الذي ولدت فيه فاطمة بنت الرسول، وبيت حمزة بن عبد المطلب، وبيت الأرقم أول بيت كان يجتمع به الرسول مع أصحابه، وحوَّلوا بعضها – يا ويلهم – إلى مرافق عامَّة، والآخر إلى مكتبة ومنعوا أحد يدخلها.

كما هدموا قبور الشهداء وبعثروا رفاتهم، ودمروا بقيع الغرقد في المدينة المنورة حيث يرقد أئمة أهل البيت الأربعة عليهم السلام، وسرقوا ما فيها من ذهب ونفائس بما لا يُقدَّر بثمن مادي ومعنوي، وكذلك هدموا قبور المهاجرين، والأنصار وبعثروها، وحاولوا هدم القبَّة المحمدية الشريفة وحاولوا نبش ضريحه الطاهر، لكنهم توقفوا حينما وقف وتجمَّد ذلك الخبيث الذي تجرَّأ وصعد على القبَّة الخضراء ليهدمها، فتجمَّد في مكانه ولم يستطيعوا إلى الآن إنزاله عنها وهي آية من آيات الله ظهرت لهم فجمَّدتهم عن الاعتداء على القبر الشريف، كما وقف الشعب وبعض العلماء الصالحين من البلاد الإسلامية كافة رافضين هذه الإجراءات وخرجوا في التظاهرات.

وحالما دخل جند الاحتلال السعودي مكة المكرمة أول مرة، اتجهوا لتدمير كل ما هو ورق، وكل ما هو كتب، وكل ما هو وثائق وصور، وكل ما هو تاريخي، فاحرقوا المكتبة العربية التاريخية العلمية التي تُعد من أثمن المكتبات في العالم، فلقد كان فيها ستين ألف كتاب من الكتب النادرة الوجود، وفيها أربعين ألف مخطوطة نادرة الوجود من مخطوطات جاهلية خُطَّت كمعاهدات بين طغاة قريش واليهود تكشف الغدر اليهودي من قديم الزمان، وتكشف مؤامرات اليهود على الرسول محمد، ودمَّرت الوهابية المخطوطات المحمدية التي كُتبت بخط الإمام علي بن أبي طالب، وأحرقوا كل الوثائق التي تهتم بالسَّادة والأشراف الذين هم من سلالة الرسول الكريم صلى الله عليه وآله.

وأرادوا بذلك ألا يبقى أي أثر يُذكر لتاريخنا الإسلامي ولرسولنا الكريم صلى الله عليه وآله، وألا يبقى للعرب من تاريخهم إلا ما تركوه من آثار اليهود في المدينة المنورة التي احتفظوا فيها بقصر كعب بن الأشرف بمساحة خمسة آلاف متر، وكل آثار اليهود في خيبر ووضعوا حولها أسلاك شائكة ووضعوا حراساً عليها لحفظها، فدمَّروا قبور المسلمين وحرسوا قصور اليهود.
وصدق ما قاله الشيخ المصري، لابن سعود في إحدى المؤتمرات:‏ “إنني أريد أن أتكلم لك يا عبد العزيز، في شيء مهمّ، وهو أننا زرنا اليوم المآثر والمقابر فرأينا ما فتت أكبادنا، وأسال دموعنا، وما لا يقرّه دين، ولا شرف، ولا إنسانيّة، فقد رأينا الكلاب ترتع وتبول على أرض مسّها جسم النبيّ العربيّ عليه السلام، وهدمتم كلّ آثار هذا النبيّ، مآثر جهاده في سبيل إعلاء الشريعة والسّماحة والمساواة والحريّة، وأصبحت كلّ هذه المآثر قاعاً بلقعاً تتكاثر فيه الكلاب، وقلنا: لاشكّ أنّ حاكماً فعل هذا باسم الدّين هو من الدّين براء، بل هو لم يأت إلاّ لخراب الدّين وقواعده وأسسه، وكلّ ما يدلّ على تاريخه، يا عبد العزيز، إنّ مَن كان قبلكم من الفاتحين المسلمين كانوا يحوّلون معابد غير الله إلى مساجد ومنابر لحريّة الرأي، ومهما قلتم في أسباب هدمكم لمآثر النبوّة والرِّسالة الإنسانيّة فلن يبلغ إلى مرتبة التصديق”.
إنها حرب على أصحاب القبور وليس على القبور، لأجل سكان القصور من الطغاة وأحفاد اليهود وإخوة بني صهيون، يهدمون القبور لأنها تُذكرهم بالآخرة، ويبنون القصور لعدم إيمانهم بها.