العراق يحتاج مواقف شجاعة أمام تداعيات كورونا

0

في العراق، وايضاً في بعض الدول المحيطة بنا، ربما نكون أمام خيبة أمل من التخلص من “كورونا المستجد” خلال أيام الصيف، رغم صدور تأكيدات على أن الفايروس لا يمكنه العيش في طقس حار كالذي يشهده العراق خلال أيام الصيف القائض، فيبدو ان العكس يحصل مع صدمة الناس بارتفاع مفاجئ في عدد الاصابات هذه الايام في بعض المدن العراقية، ومنها كربلاء المقدسة، التي لم تشهد ارتفاعاً في عدد الاصابات كالذي حصل خلال يومي الخميس والجمعة الماضيين بتسجيل ستين اصابة بفايروس كورونا!
تداعيات هذا المرض الرهيب والغريب في آن، له وجهان؛ الاول: التداعيات على الوضع المعيشي والنفسي بسبب الحجر المنزلي، ثم على الصعيد الاقتصادي بشكل عام في البلد، أما الوجه الآخر فهو على الصعيد الخارجي، حيث يواجه اسقاطات عدّة لهذا المرض، أشدها وطأة؛ المعلومات والمعطيات العلمية المتناقضة من علماء، ومؤسسات بحثية، ودراسات، وايضاً من مؤسسات دولية، مثل منظمة الصحة العالمية، علاوةً على أقوال وأحاديث تطلق هنا وهناك ممن يدعون القرب من قلب الحقيقة، ومن عين المؤامرة، وهم يسردون احاديث عن مؤامرات تقف خلف ظهور هذا الفايروس بهذا الشكل، ثم تأخذ سوشيال ميديا (التواصل الاجتماعي) الدور الريادي في الترويج والتحكم بالعقول والمزاجات والافكار حول العالم كله.
هذا الجو المشحون بالتناقضات وكل ما يدعو الى الشؤم واليأس والاحباط، ربما يكون في مقدمة الاسباب التي تجعل بعض البلاد الفاقدة لعناصر القوة لمثل هكذا ظروف مثل؛ العراق، فاقدة لأي رؤية او قرار مستقل لمعالجة الازمة بشكل خاص يعني الوضع داخل العراق وحسب، بعيداً عما يجري في المحيط الاقليمي او المحيط الدولي، ومنذ الايام الاولى كنا نسمع بأن العراق يجب ان يبذل قصارى جهده للحفاظ على نفسه كونه “يفتقر للامكانات والخبرات الطبية، فهو على شفير الهاوية…”! والأنكى من ذلك؛ بعض المسؤولين الحكوميين، يقارنون الوضع العراقي بالاوضاع السائدة في اوربا، على أنها أكثر تقدما وتطوراً من الناحية الطبية، مع ذلك فهي تعرضت لنكبة الاصابة والموت بالآلاف، وهي مقارنة خاطئة وبعيدة عن الحنكة، فالاصابة بهذا الفايروس، ومن ثم تداعيات المرض، لا علاقة له مطلقاً بحجم التقدم العلمي في مجال الطب، بقدر ما يتعلق بمناعة جسم الانسان المستهدف من هذا الفايروس، وهذا ما لم تمارِ فيه جميع الدراسات والبحوث والمؤسسات العلمية طيلة أشهر “كورونا المستجد”،وقد سجل العراق النسب الأقل في الشرق الاوسط –على الاقل- في عدد الاصابات والوفيات، وتسجيل اعداد كبيرة من المتعافين قياساً بعدد سكانه بين دول المنطقة، وحسب إحصائية وزارة الصحة العراقية، فقد بلغت مجموع الاصابات منذ ظهور الوباء وحتى اليوم (السبت)؛ 2913 حالة، فيما بلغ عدد المتعافين 1904 شخصاً، أما الوفيات فقد بلغت 112 شخصاً، ومعظم الخبراء والمعنيين في مجال الطب بأن العراق ما يزال بعيداً عن خط الكارثة، وأن مرحلة “سي” شديد الخطورة نسبتها لا تتجاوز ثلاثة بالمئة، تبقى مرحلة “أي” و”بي” بنسب متفاوتة بين الاصابة والشفاء.
إن معطيات خاصة على الارض في العراق تمكن المسؤولين في الدولة والى جانبهم الجهات المجتمعية من استثمار الحالة الايجابية –ولو بنسبة معينة- في بلورة موقف خاص للعراق يقلل من التأثيرات السلبية على قطاعات حيوية في البلاد، وتنأى بالعراق عن تكبد الخسائر الكبيرة مادياً ومعنوياً كما يحصل في عديد دول العالم، فالعراق يجني أموالاً طائلة يحسد عليها بين معظم دول العالم من بيعه البترول، فحسب مصادر وزارة النفط العراقية فان في شهر اذار الماضي صدر العراق 105مليون برميل من النفط، حقق منه إيراداً بلغ حوالي ثلاثة مليارات دولار، وتقول الوزارة أن الرقم أقل بكثير مما كان عليه في الاشهر الثلاث السابقة، وقد اعرب الخبراء والمعنيين عن بالغ تخوفهم من انخفاض اسعار النفط بسبب تداعيات “كورونا المتسجد” والركود الاقتصادي العالمي، واحتمال تعرض العراق لضائقة مالية وعجز في الموازنة وغير ذلك، بيد أن الوجه الآخر للحقيقة، هو إن استمرار الفساد في ابتلاع كميات كبيرة من الثروة العراقية وعدم التحفظ على مصير البلد والناس مع هذه الظروف بالذات، هو مصدر الخطر، وليس انخفاض اسعار النفط، إذ ان ثلاثة مليارات دولار ليس بالرقم القليل لبلد مثل العراق يمتلك اراض زراعية وثروة حيوانية يعتد بها، فهو ليس بالبلد الفقير مطلقاً، بشرط أن تكون هنالك شجاعة فائقة في الوقوف بشدة امام أرقام الامتيازات الجنونية والرواتب العالية لاصحاب المناصب في الدولة.
ولعل من القرارات الشجاعة التي يجب الاشارة اليها والمتخذة في الاشهر الماضية؛ التقليل من استيراد المواد الغذائية مع تشجيع المنتج المحلي من الحبوب والخضار والفاكهة وسائر المواد الغذائية، مما ادى الى انعاش القطاع الزراعي الى درجة معينة، تبقى خطوات جريئة أخرى لدعم الاكتفاء الذاتي.
ومن القرارات الشجاعة المطلوبة؛ وضع حد نهائي لمشكلة الكهرباء والاتصالات في العراق، لاسيما مع الحجر المنزلي، ليس فقط للمهنيين والكسبة والعمال، وإنما لطلبة المدارس والجامعات، والاعلان عن استمرار الدراسة عبر شبكة الانترنت، فكيف يتسنّى للطالب التواصل مع شبكة رديئة ومتقطعة، مع انقطاع مستمر للكهرباء؟
وبالنسبة للتعليم الذي تعرض لنكبة عظيمة في العراق، لاسيما مناطق الوسط والجنوب العراقي منذ بداية العام الدراسي في الشهر العاشر من 2019 وحتى اليوم، حيث لم يستقر الطلاب في الابتدائية والاعدادية والجامعات على مقاعدهم الدراسية سوى أيام واسابيع معدودة، بسبب احداث الاحتجاجات ومطالبة بعض المحتجين بغلقها جميعاً للانضمام الى الاحجاجات ضد الحكومة! ومن ثم جاءت جائحة كورونا بما لم يتوقعه أحد لتقضي على العام الدراسي بشكل عام، الامر الذي يستدعي من الحكومة والمعنيين بالتعليم التفكير بجدية في الخروج بالطلبة جميعاً بنتيجة مرضية تريح النفس، وعدم التأجيل واستمرار غلق الابواب وترك الناس امام المجهول، بحجة التخوف من تداعيات “كورونا”، منها قرار إلغاء الامتحانات النهائية في المدارس والجامعات بشكل حضوري، والاعتماد على الانترنت في هذه الامتحانات الحساسة والمصيرية، وهو القرار الذي اثار استغراب وتساؤل الكثير عن سرعة الانحناء للازمة وعدم ايجاد بديل وحل آخر آخر لإجراء الامتحانات حضورياً مع اتخاذ الاجراءات الوقائية لإضفاء بعض المصداقية والثقة لشهادة الطالب بعد نهاية هذه السنة العجيبة؟
من خلال رؤية عامة للوضع الاجتماعي في العراق، نعتقد أن العراقيين، ومنذ بداية انتشار الوباء في شهر اذار المنصرم، التزموا بمستويات ودرجات لا بأس بها في عموم البلاد باجراءات الحظر المنزلي، ما خلا بغداد، كونها العاصمة التجارية للعراق، رغم ما نشهده من تشهير وتطاول وتزييف للحقائق في وسائل التواصل الاجتماعي من جهات مشبوهة، تتهم العراقيين بالتسيّب وفقدان الوعي والثقافة الصحية، طبعاً؛ هذا لا يعد مبرراً –بأي حال من الاحوال- لخرق الحجر المنزلي وانتهاك التعليمات الحكومية بشأن حظر التجوال وغيرها. بيد أن عموم العراق، بما فيها بغداد، كانت طيلة الفترة الماضية تسجل الاصابات والوفيات في ارقام الآحاد والعشرات فقط، مقابل ارقام المئات في سائر الدول، لاسيما القريبة منّا، الامر الذي يفترض على الحكومة اتخاذ القرارات الشجاعة الكفيلة بتقليل الخسائر والضغط النفسي والمادي على العراقيين جراء هذه الجائحة والازمة المريرة.