الْوِلَادَةُ الْحَسَنِيَّةُ.. وِلَادَةُ دَوْلَةُ الْأُمَّةِ الإِسْلَامِيَّةِ الْوَاحِدَة

0
  • تقديم نوراني

الإمام الحسن السبط، عليه السلام هو ذاك النور المتلألئ في دنيا الإنسانية، فهو الذي خلقه الله من نور ذاته الأبهج، وجعله إماماً قام أو قعد في الدنيا، وسيد شباب أهل الجنة في الآخرة، فهو لن يضره تخلف الأمة عن نصرته، أو تقاعسها عن إمامته، فهو في المحل العالي الذي يسمو به على الأنبياء والأوصياء، لأنه مع جده المصطفى، صلى الله عليه وآله في أعلى عليين، والخلق اسفل منه في درجاتهم، وأعداءه فهم يتقلبون في النار في دركاتهم.
عن محمد بن الحسن الطوسي (رحمه الله) في كتابه مصباح الأنوار: بإسناده عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله قال: “إن الله خلقني وخلق عليا وفاطمة والحسن والحسين قبل أن يخلق آدم حين لا سماء مبنية ولا أرض مدحية، ولا ظلمة ولا نور، ولا شمس ولا قمر، ولا نار.
فقال العباس: فكيف كان بدء خلقكم يا رسول الله؟
فقال: يا عم، لما أراد الله أن يخلقنا تكلم بكلمة فخلق منها نوراً، ثم تكلم بكلمة أخرى فخلق منها روحاً، ثم خلط النور بالروح فخلقني وخلق علياً وفاطمة والحسن والحسين فكنا نُسبِّحه حين لا تسبيح، ونُقدِّسه حين لا تقديس”، إلى أن يقول: “ثم فتق نور ولدي الحسن، وخلق منه الشمس والقمر، فالشمس والقمر من نور ولدي الحسن، ونور الحسن من نور الله، والحسن أفضل من الشمس والقمر، ثم فتق نور ولدي الحسين فخلق منه الجنة والحور العين، فالجنة والحور العين من نور ولدي الحسين، ونور ولدي الحسين من نور الله، وولدي الحسين أفضل من نور الجنة والحور العين“. (بحار الأنوار: ج 15 ص11).
فلكل مَنْ يعيش ويستفاد من الشمس والقمر التي لا تستغني عنهما الحياة أن يعرف للإمام الحسن المجتبى، عليه السلام فضله، وانهما خُلقتا من نوره النور، وأن نوره من نور الله تعالى؟

[.. أعطى الإمام الحسن المجتبى، عليه السلام كل ما عنده، وضحى بنفسه شخصاً وشاخصاً لأجل هذه الأمة الناكرة للجميل، فهو الذي أعطى معاوية السلطة والحكم ليحفظ لها وحدتها ولولا صلح الإمام الحسن لانقسمت الأمة إلى شطرين ..]

 

  • ولادة الإمام الحسن ولادة الأمة الواحدة

كم ظلمت هذه الأمة سيدها ومولاها وإمامها السبط الزكي سيد شباب أهل الجنَّة، الإمام الحسن المجتبى عليه السلام، فظلمت نفسها لأنها دخلت في ظُلمات السياسة الأموية الجاهلية ولم تخرج منها إلى اليوم، ولن تخرج منها إلا أن تُعيد النظر في تاريخها ومشروعها الديني والسياسي وتعترف بخطئها الفادح بالسكوت عن وصول الطلقاء وأبناء أمية الشجرة الملعونة في القرآن إلى سدَّة الحكم فيها، ثم رضوخها تحت سنابك خيلهم، فعملوا فيهم أفاعيل الأعداء، بل أبشع وأشنع منها.
فالإمام الحسن المجتبى، عليه السلام الذي اصطفاه الله، واختاره، واجتباه من الخلق ليكون عمود الخير والفضل والنور في هذه الدنيا ولا يساويه أو يقاربه أحد من الخلق إلا صنوه الإمام الحسين عليه السلام، لأن ما اجتمع لهما لم يجتمع في غيرهما، وهذا عبد الله بن عباس يروي قال: “صلَّى رسولُ اللهِ، صلَّى اللهُ عليه وآله صلاةَ العصرِ فلمَّا كان في الرَّابعةِ أقبَل الحَسَنُ والحُسَينُ حتَّى ركِبا على ظَهرِ رسولِ اللهِ،صلَّى اللهُ عليه وآله فوضَعهما بَيْنَ يدَيْهِ وأقبَل الحَسَنُ فحمَل رسولُ اللهِ الحَسَنَ على عاتقِه الأيمنِ، والحُسَينَ على عاتقِه الأيسَرِ، ثمَّ قال: “أيُّها النَّاسُ ألَا أُخبِرُكم بخيرِ النَّاسِ جَدًّا وجَدَّةً؛ ألَا أُخبِرُكم بخيرِ النَّاسِ عَمًّا وعَمَّةً؛ ألَا أُخبِرُكم بخيرِ النَّاسِ خالًا وخالةً؛ أو أُخبِرُكم بخيرِ النَّاسِ أَبًا وأُمًّا؟ هما الحَسَنُ والحُسَينُ جَدُّهما رسولُ اللهِ (صلَّى اللهُ عليه وآله)، وجَدَّتُهما خَديجةُ بنتُ خُوَيلدٍ، وأُمُّهما فَاطمةُ بنتُ رسولِ اللهِ (صلَّى اللهُ عليه وآله)، وأبوهما علِيُّ بنُ أبي طالبٍ، وعَمُّهما جعفَرُ بنُ أبي طالبٍ جَدُّهما في الجنَّةِ، وأبوهما في الجنَّةِ، وجَدَّتُهما في الجنَّةِ، وأُمُّهما وعَمُّهما، وعَمَّتُهما في الجنَّةِ، وخالاتُهما في الجنَّةِ، وخالُهما في الجنَّةِ، وهما في الجنَّةِ، وأُختُهما في الجنَّةِ” (الطبراني: المعجم الأوسط: 6/298).
ماذا لو فقهت الأمة مثل هذه الروايات الكريمة، والأعمال الشريفة المنقولة عن رسول الله، صلى الله عليه وآله بحق ولديه، وريحانتيه من الدنيا يشمهما؟ ألم يكونوا يحفوهما بمحاجر العيون، ويغطونهما برموشها حفظاً عليهما لأنهما سادة الدنيا والآخرة، وذخرهم وذخيرتهم وشرفهم وسؤددهم، الذين منَّ الله بهما على هذه الأمة المرحومة بهما من بعد أصلهما وجدهما المصطفى؟

[.. عن النبي صلى الله عليه وآله قال: “إن الله خلقني وخلق عليا وفاطمة والحسن والحسين قبل أن يخلق آدم حين لا سماء مبنية ولا أرض مدحية، ولا ظلمة ولا نور، ولا شمس ولا قمر، ولا نار ..]

 

  • الامام الحسن يضحي من أجل الدين

لا سيما أن الإمام الحسن المجتبى، عليه السلام أعطى كل ما عنده، وضحى بنفسه شخصاً وشاخصاً لأجل هذه الأمة الناكرة للجميل، فهو الذي أعطى معاوية السلطة والحكم ليحفظ لها وحدتها ولولا صلح الإمام الحسن لانقسمت الأمة إلى شطرين، والدِّين على دينين متعاديين، وذلك لأن أهل الشام ما عرفوا دين الله حقيقة، بل عرفوا دين بني أمية كونهم هم الذين فتحوا الشام في عهد الخليفة الثاني الذي أمَّر يزيد بن أبي سفيان على ذلك الجيش وجعل نائبه أخاه معاوية، وبقي معاوية فيها بعد أن هلك أخوه فيها عشرين سنة لا تعرف الشام من الدِّين وأهله إلا بني أمية وما ينقله لهم معاوية وزبانيته الذين جمعهم حوله من أمثاله كعمرو بن العاص وغيره.
فهو الذي قال مخاطباً عمار بن ياسر ومهدداً له: “يا عمار، إن بالشام مئة ألف فارس، كل يأخذ العطاء، مع مثلهم من أبنائهم وعبدانهم، لا يعرفون علياً ولا قرابته، ولا عماراً ولا سابقته، ولا الزبير ولا صحابته، ولا طلحة ولا هجرته، ولا يهابون ابن عوف ولا ماله، ولا يتقون سعداً ولا دعوته، فإياك يا عمار أن تقعد غداً في فتنة تنجلي، فيُقال: هذا قاتل عثمان، وهذا قاتل علي”. (الإمامة والسياسة؛ ابن قتيبة الدينوري، تحقيق الزيني: ج ١ ص ٣٢).
ويقول المسعودي في مروجه عن حالة أهل الشام: “وبلغ من إحكامه للسياسة، وإتقانه لها واجتذابه قلوب خواصه وعوامه؛ أن رجلاً من أهل الكوفة دخل على بعير له إلى دمشق في حالة منصرفهم عن صفين فتعلق به رجل من دمشق، فقال: هذه ناقتي، أُخذت مني بصفين، فارتفع أمرهما إلى معاوية، وأقام الدمشقي خمسين رجلاً بينة يشهدون أنها ناقته، فقضى معاوية على الكوفي، وأمره بتسليم البعير إليه، فقال الكوفي: أصلحك الله! إنه جمل وليس بناقة، فقال معاوية: هذا حُكم قد مضى، ودسَّ إلى الكوفي بعد تفرقهم فأحضره، وسأله عن ثمن بعيره، فدفع إليه ضعفه، وبرَّه، وأحسن إليه، وقال له: “أبلغ علياً إنِّي أُقاتله بمائة ألف ما فيهم مَنْ يُفرِّق بين الناقة والجمل”، وقد بلغ من أمرهم في طاعتهم له؛ أنه صلَّى بهم (في حمص) عند مسيرهم إلى صفين الجمعة في يوم الأربعاء، وأعاروه رؤوسهم عند القتال وحموه بها”. (مروج الذهب: ج1 ص362).
ولذا لا تستغرب أنه حين وصل خبر استشهاد الإمام علي، عليه السلام في مسجد الكوفة إلى مسامع أهل الشام أحدث صدمة لديهم، وقال قائلهم مستغرباً: “وهل كان عليٌّ يُصلي”؟!
فتصوَّروا أن مَنْ شُرِّعت الصلاة له، وقامت الصلاة به، ولا صلاة إلا بالصلاة عليه وآله، هو عند الشاميين لا يُصلي، هكذا فعل معاوية في أهل الشام، وهكذا كان يُريد أن يُشيع تلك الثقافة الأموية الجاهلية في الأمة حتى تصير ديناً يُدان به، فلولا صلح الإمام الحسن، عليه السلام لرأينا إلى اليوم ديناً أموياً آخر في الشام، وما زال الإمام علي وأهل البيت الأطهار، عليهم السلام كفار وخوارج من الدِّين، وتلك سياسته الخبيثة بلعن وسب أمير المؤمنين وأهل البيت على المنابر اكبر شاهد على ما نقول.
هذه السياسة المعادية لدِين الله والهادفة لدفنه، (لا والله إلا دفناً دفنا)، ومسخه، وتأليف دين أموي جديد هو الذي دفع الإمام الحسن المجتبى، عليه السلام ليُضحي بالخلافة، والسلطة، والحكم، ليُوقفَ هذا الانقسام الرَّهيب في الأمة الإسلامية، الذي كان سيؤدي إلى دمار الإسلام كله، فأعطى الإمام السلطة ليجمع الأمة، وضحَّى بالحُكم لأجل الإسلام، ولذا سُميَ ذلك العام ب (عام الجماعة)، رغم أنف معاوية لأنه لا يُريد لها أن تجتمع على الدِّين بل يُريد أن تتوسع سلطته وحكمه على كل بلاد المسلمين، وهذا ما صرَّح به في النخيلة حيثُ، فقال: “ما قاتلتكم لتصلوا، ولا لتصوموا، ولا لتحجوا، ولا لتزكوا، وقد أعرف إنكم تفعلون ذلك، ولكن إنما قاتلتكم لأتأمر عليكم، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم له كارهون”.
هذا هو هدف الرجل من السلطة والحكم ولا شأن له بالدِّين والعبادة وغيرها، أما الإمام الحسن، عليه السلام فكانت عينه على الدِّين والإسلام والأمة، وعلى صلاتها، وصومها، وزكاتها، وحجها، وأمور دينها، وبصلحه حفظ وحدة الأمة، وصانها من التقسيم، والضياع.
ثم جاءت ثورة الإمام الحسين، عليه السلام ونهضته الخالدة، لتُرسِّخ فيها دينها وكل القيم الإلهية الفاضلة فيها، تلك هي رسالة مولد الإمام الحسن المجتبى، فهل نفقهها وتعرف الأمة له فضله، وتُقدِّر له مكانته، وتضحيته من أجلها؟
سلام الله على إمامنا السبط الأكبر الحسن المجتبى يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث شاهداً.