المائدة الرمضانية وآفاق الاستضاءة بنور القرآن الحكيم

0

الإنسان مخلوق من قبضة من تراب، ونفخة -أو نفحة- من روح، شاء الخالق -تعالى- لها أن تكون فقال لها: “كُن” فكانت بشراً، جوهره الروح السماوية، وآلته الجسد ومكوناته التراب.
ولذا تراه -في نفسه- يكون ساحة للصراع، بين الروح التي تريده سماوياً، ومَلاكاً طيباً، والتراب الذي يُريده، مَلكاً، و وحشاً كاسراً، ولكن الله سبحانه الذي خلقه وكرَّمه في قوله: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} (الإسراء: 70)، أعطاه ميزاناً، ومقياساً حتى لا يضل عن الطريق السوي ويعيش الاعتدال في حياته القصيرة جداً في هذه الدنيا، وذلك يتمثَّلُ بأمرين اثنين هما:
1- العقل من الداخل؛ وهو رسول داخلي يأمره بالارتفاع مع الروح إلى سماء المعنويات.
2- الرسول من الخارج؛ وهو عقل خارجي يُبيِّن له الحق، ويأمره باتباعه، وعدم الانجرار خلف النفس والشهوات، وكل ما يجره الى الأرض، لأنه خُلق فيها ومنها ولكن ليس لها، فالدنيا (دارُ ممرٍّ لا دار مقرٍّ) كما بيَّن أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام.
ويتكامل الإنسان في هذا الصراع بين هذه القوى، السماوية والرضية، وهو من نسميه بجهاد النفس، وسماه الرسول الأعظم، صلى الله عليه وآله (بالجهاد الأكبر) لكبر وقعه على النفس، وعظيم نتائجه على الشخص فيما بعد.

  • مواسم الروح والمعنوية

في الزمان والمكان محطات روحية جعلها الباري -تعالى- لخلقه كمحطات تزوُّد بالوقود الرُّوحي، لعلمه بهم وخبرته بضعفهم وسرعة نسيانهم، من أجل أن يتزوَّدوا معنوياً ويُعيدوا الشَّحن الرُّوحي لهم فتتفتَّح نفوسهم إلى الخير، وتنفتح أرواحهم إلى المطلق، ومن تلك الأماكن النورانية في المكان، البيت الحرام، ومسجده المقدس، والمسجد النبوي، والروضة العلوية المباركة، والمرقدين الشريفين في كربلاء المقدسة، حيث إنها قطعة من الجنان، وعلى ترعة من ترعاتها، فتحت تلك القبة النوراء مهبط الأرواح، ومهوى القلوب الطاهرة، وايضاً هنالك مسجد الكوفة.
أما من محطات الزمان -بل من أعظمها وأشرفها- فهو شهر الضيافة الإلهية، شهر الله المبارك، شهر رمضان الذي جعله الباري -سبحانه- محطة شحن معنوي كُبرى لعباده، فيتزوَّدون منه لعام كامل بكل ما يحتاجونه من مؤونة وزاد روحي وغذاء معنوي، وكلٌ يأخذ منه حاجته ويكون على قدر همَّته ونشاطه الشخصي، فمنهم مَنْ يتزوَّد بما يكفيه، ومنهم مَنْ يُقصِّر بحق نفسه، ومنهم مَنْ لا يتزوَّد منه أصلاً وهؤلاء هم المحرومين حقاً، نستجير بالله من الخذلان.

هذا الشهر الكريم، هو الدعوة من الرب العظيم لنا لنتزوَّد روحياً ومعنوياً لعام كامل، وفيه التقدير للآجال، والأعمار والارزاق

  • شهر الضيافة الإلهية

جاء في تلك الخطبة النورانية العجيبة لرسول الله، صلى الله عليه وآله، في استقبال شهر رمضان المبارك ما يجب أن نقف عنده طويلاً، تفكراً، وتأملاً، وتدبراً، لما فيها من معاني رفيعة، وجُمِلٍ بديعة، كقوله: “هو شهر دعيتم فيه إلى ضيافة الله، وجعلتم فيه من أهل كرامة الله، أنفاسكم فيه تسبيح، ونومكم فيه عبادة، وعملكم فيه مقبول، ودعاؤكم فيه مستجاب، فسلوا الله ربّكم بنيّات صادقة، وقلُوب طاهرة أن يوفّقكم لصيامه، وتلاوة كتابه، فإنّ الشّقي من حرم غفران الله في هذا الشّهر العظيم”.
فنحن على أعتاب الله، وعلى أبواب شهر من الضيافة الربانية، وفلا بد من أن نكون من اللائقين بهذه الضيافة، فنحترم الضيف، والمضافة، والضيافة أيضاً، لأنها من أخلاق الإيمان الراقية، وقيم الإسلام الزاهية، وفضائل العرب الباقية.
فهذا الشهر الكريم، وهذه الدعوة من الرب العظيم لنا لنتزوَّد روحياً ومعنوياً لعام كامل، وفيه التقدير للآجال، والأعمار، والأرزاق كذلك، فعلينا أن نكتب ذلك كله بمداد الخير، والنور، والصلاح، ولنتسابق بفعل الخيرات، ولنتنافس في مضمارها في هذا العصر الأغبر، وهذه الأيام الذي نُكبنا فيها بهذا الفيروس النَّحس الذي فتك ومازال يفتك في العالم أجمع.
وما فُرض علينا من حصار جعل الكثير من الناس يُحبسون في بيوتهم وربما لا يجدون ما يسدُّ رمقهم ويُشبع بطون عيالهم، فعلينا تفقد أولئك الفقراء البسطاء، بل علينا أن نبحث عن أولئك الذين وصفهم الله تعالى في كتابه الحكيم، فقال: {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} (البقرة: 273).

إنّ الذي يعطينا القوة هو القرآن، والذي يغمرنا بالسكينة هو القرآن، فلماذا بيننا وبين هذا الكتاب هذه‏ المسافة الطويلة؟

  • القرآن الحكيم مائدة السماء

وهذا الشهر العظيم، والموسم الكريم، يوصف حقاً وصدقاً بأنه شهر القرآن الحكيم، والقرآن هو مائدة السماء لأهل الأرض، بسطها الله لعباده ودعاهم للتزود والغذاء الروحي منها، ففيه الغذاء وفيه الشفاء، وفيه الخير، والنور، والبركة، وكل ما نحتاج إليه في حياتنا.
وأذكر من تسعينات القرن الماضي حيث تشرَّفت بمعرفة السيد المرجع محمد تقي المدرّسي، والذي كان بمثابة الأب المربِّي لي ولكثير من أمثالي، الذي كان يُغذِّيني قرآنياً كلما اجتمعتُ به، وأذكر ولا أنسى أبداً الجَلسة الأولى لي مع سماحته حيث كنتُ في شرخ الشباب، فجلس جلسة القرفصاء وراح يُحدثني عن القرآن الحكيم، وعظمته، وبركته، ونوره، وهدايته، وجماله، وحلاوة تلاوته، لأكثر من ساعة، فرحتُ أبحث عن أحاديثه القرآنية الرائعة، وأنهل منها ولا أرتوي من معينها العذب، وما زلتُ كذلك ولم أُفطم لله الحمد.
ومما أذكره هنا أنه كان يُشبِّه القرآن بالمائدة الإلهية، ويقول: “المائدة هي التي تجمع الأسرة عادة في البيوت جميعها، صغيرها وكبيرها، رجالها ونساءها، فيجتمعون حولها ليتناولوا الغذاء الجسدي وأما القرآن الكريم فهو كالمائدة السماوية التي بسطها الله لهذه الأسرة الإنسانية جميعاً، وعلى الجميع أن يتحلَّقوا حولها ويأكلوا منها، ولكن كل يأخذ منها ما يشتهيه، وما يحتاجه”.
كما أنه يُعلمنا في تفسير (من هدى القرآن)، والفقه القرآني (بينات من فقه القرآن)، وكل أحاديثه القرآنية الرائعة حتى أن أحد السادة الكرام قال لي: (نحن نُسمي حوزة السيد المدرسي الحوزة القرآنية)، كيف نستفيد من هذه المائدة الربانية التي بسطها الله لنا، وأنزلها في هذا الشهر الكريم، شهر القرآن، شهر الرحمة والغفران.. ولو سألنا سماحته: سيدنا كيف نعيش في أجواء القرآن؟
لجاءنا الجواب بقوله: “من المؤكد أنّ نهم البطن، وعطش الكبد لا يضرّان بالإنسان بقدر ما يضرّه نهم الروح وعطش العقل وحاجة الضمير، فأرواحنا تبحث دوماً عن بَرد اليقين، وعقولنا ظمأى إلى العلم والمعرفة، ونفوسنا بحاجة إلى السكينة والاطمئنان”.
إنّ الذي يعطينا القوة هو القرآن، والذي يغمرنا بالسكينة هو القرآن، فلماذا بيننا وبين هذا الكتاب هذه‏ المسافة الطويلة؟ وكيف يمكن أن نختصر هذه المسافة لنصل إلى حقيقة فهمه؟ هذا هو السؤال العريض الذي ينبغي أن ندرسه بعمق في حياتنا، إنه يتمثل في كيفية وصول أكفنا إلى بحر القرآن لنغترف منه غرفة تشربها عقولنا الظامئة، وللإجابة عليه نقول: إنَّ علينا أنْ نأخذ بنظر الاعتبار الملاحظات التالية:
1-أن لا يكون هدفنا من التدبر في القرآن الاستفادة الجزئية، فالذي يتخذ من القرآن وسيلة لتعلم بعض القضايا الجانبية التي قد تنفعه وقد لا تنفعه إنما هو إنسان سطحي، لأن القرآن الكريم بإمكانه أن يقدِّم للإنسان ما هو أعظم من ذلك وأكثر قيمة، فالذين يتخذون من القرآن وسيلة لتزيين مكتباتهم، أو كحرز لهم، أو لاختبار أصواتهم إنما هم في الحقيقة كمثل المرضى الذين يكتفون بالنظر إلى الطبيب دون أن يسألوه علاج أمراضهم، فهم بحاجة إلى رؤى القرآن في مواقفهم الحياتية المختلفة، وبحاجة إلى يقين القرآن الذي يثلج صدورهم، ويزيد إرادتهم عزيمة، وبصيرتهم نفاذاً.
2-نحن لا نعلم متى نواجه موقفاً صعباً علينا أن نعالجه، (كما نحن فيه من جائحة الكورونا) فالاختبارات الصعبة تنزل على الإنسان كما تنقضّ عليه الصاعقة، فهي تواجهنا في غفلة من الزمن، فهل أعددنا لها ذخيرة من الإرادة والعقل والإيمان؟ وكيف نحصل على هذه الذخيرة؟ إنّ مصدر الحصول عليها يكمن في العيش في أجواء القرآن، وذلك من خلال حفظ آياته، والتدبر فيها، صحيح إنّ العمل بآيات القرآن أفضل من حفظها، وصحيح إنَّ من يحفظ القرآن ولا يعمل به قد يكون أسوأ ممن لا يعرف آيات القرآن، ولكن حفظ القرآن هو وسيلة للتدبر في آياته، والعمل به، فالحفظ يجعل الآيات القرآنية تتفاعل مع نفسك، وتنسجم معها، ففي وقت الشدّة من الممكن أن تتذكر آية، وفي موقف حاسم قد تنتبه إلى آية قرآنية.
3 “وإنني أوصي أن يهتم الجميع بشكل جدي بعملية حفظ القرآن”. (القرآن حكمة الحياة، ص: 10)
هكذا يجب أن نستفيد من المائدة السماوية، والضيافة الإلهية، والدعوة الربانية في هذا الشهر الكريم، ونسأل الله تعالى أن يوفقنا ويسددنا ويؤيدنا في ذلك كله إنه سميع قريب مجيب.