الآباء قدوة أبنائهم

0

قال الله تعالى: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}، (سورة لقمان: 17)
الآية تشير إلى الصورة الإرشادية التي رسمها القرآن الكريم حكاية عن لقمان الحكيم مع ولده وتحوي مجموعة من المضامين، ومن هذه الآية ننطلق في بيان نقطتين:
الأولى: مراحل اصلاح النفس والآخرين.
نستوحي من الآية الكريمة أوامر أربعة تتبنى شخصية المؤمن كشخص أولاً، وكداعية ثانياً، وصموداً في كلا البعدين:

  • 1. إقامة الصلاة

إن (أَقِمِ الصَّلَاةَ) هي في الحقيقة إقامة لكافة الصِّلات المعرفية الإيمانية والعملية بالله، والصلاة هي أهم علاقة وارتباط مع الخالق، فإن وظيفتها توجيه الإنسان للإتصال بالله، فهي كالسيارة التي تنقل الإنسان من بلد إلى آخر، فمضمون الصلاة توصل الإنسان بربه، وعندما نتصل به – تعالى- نستوحي كل الأمور الحسنة من هذا الإتصال، فالصلاة تنور قلبك، وتصفي روحك، وتضيء حياتك، وتطهر نفسك من آثار الذنب، وتقذف نور الإيمان في أنحاء وجودك، لهذا كان رسول الله، صلى الله عليه وآله، يعبر عنها بقرة عينه «قرة عيني في الصلاة»(1)، وهي التي تفتح المجال للعلاقات الحميمة أن تنفذ إلى قلب المؤمن في روحيته وعلاقته بربه.
ولذا فإن الفرد حتى لو لم يعرف من الصلاة إلا أنها فريضة مفروضة عليه إلا أنها وسيلة لتهذيبه، فالصلاة تهيمن على تفكير هذا الفرد أعصابه وسلوكه وتخلق منه فرداً يريده الدين.
والملاحظ في الآية أن لقمان، عليه السلام، يقول لابنه: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ} ومعنى القيام بالأمر التهيؤ له، مثل أن يهييء الإنسان نفسه لتحمل مسؤولية كبيرة، فهو يريد أن يقول لابنه: حاول أن تنهض بمسؤولية الصلاة، وأن تفهمها فهماً صحيحاً، لا أن تتعامل معها على أنها مجرد حركة شفاه أو غير ذلك، وإنما عليك أن تفهمها على أنها وسيلة لصقل مشاعرك وتهذيب سلوكك، وإنها تبين الطريق الصحيح لك ومن المؤكد أن الإنسان يستطيع تربية وتهذيب غيره، ولكن من الصعب عليه أن ينهض في تربية وتهذيب نفسه، والسبب أن نفسه تُريه العيوب حسنات، فإذا رأى سيئة عند غيره فإنه يضخمها وإن كانت صغيرة، لكنه إذا رأى في نفسه سيئة فإنه يصغرها بل ينساها ولا يراها وإن كانت كبيرة، وذلك بسبب حبه لنفسه، ولكن إذا روض نفسه للنهوض بهذا العبء الثقيل استطاع أن يربيها ويهذبها، ولذا عبر القرآن الكريم بهذا التعبير {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ}.

  • 2،3: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

الآية الكريمة بينت لنا أولاً؛ أن الإصلاح يبدأ من النفس فذكرت الصلاة، ثم انتقلت إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ وهو إصلاح غيره، فالإنسان عندما يقيم الصلاة ويوجد عنده الشعور بالرادع النفسي يتمكن عندها من أن ينتقل إلى إصلاح غيره، لقمان الحكيم يشير إلى أهم دستور اجتماعي وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو يشمل الدعوة إلى كافة الخيرات الفردية والإجتماعية ويعم كافة المنكرات، ويريد أن يربي الإنسان ليكون في خط الرسالة والتي يتحول فيها المؤمن إلى إنسان رسوليّ في الدور، وإن لم يكن كذلك في الصفة، لأن هدف الأنبياء تحولوا المجتمع إلى رسل تنفيذيين في امتداد الدعوة على مستوى تحريك الرسالة في طريق التطبيق وفي الرقابة الواعية على حركة المجتمع في هذا الإتجاه، قال الإمام علي، عليه السلام: «لا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيولي الله أمركم شراركم ثم تدعون فلا يستجاب لكم»(2).

  • 4. الصبر

وبعد هذه الأوامر العملية المهمة الثلاثة، ينتقل إلى مسألة الصبر والإستقامة؛ لأن إقامة الصلاة بحقها، ثم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تحول دونها عراقيل وصدمات، فإن الأمر بالمعروف قد يصيبك بسببه مكروه لذلك يقول (وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ)، في صالح الإيمان وعمله، دون التزعزع عن قواعده، ولا تلكؤ وانكسار في قواعده (إِنَّ ذَٰلِكَ) أي التكليف الصارم والصبر على تحقيقه (مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ).
فأنت أخي الحبيب إذا كنت ممن يأمر بالمعروف فلا تتوقع أن يأتيك المدح والثناء بل انتظر مَن يشتمك وينبزك، فهناك من يفعل الرذيلة والطغيان وينشر الفواحش ما ظهر منها وما بطن ويقتات عليها، فهؤلاء سيخلقون لك ألف طريق وطريق لانتقامك وسبك محاولين بذلك أن يصموك به، والآية الكريمة تقول لك: اصبر على ذلك.
ولو رجعنا إلى قريش لوجدناها لم تترك شيئاً إلا اخترعته للنبي، صلى الله عليه وآله، حينما أعلن رسالة السماء، فقد قالوا عنه: ساحر، ومجنون، وكذاب، حتى إنه، صلى الله عليه وآله، كان يوماً يمشي مع عمته صفية بنت عبد المطلب فمر به بعض الصحابة فقال لهم: «قفوا إن هذه عمتي صفية، قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ وهل نتهمك أنت؟ فقال، صلى الله عليه وآله: إني أعرف أن هناك من يقول غداً رأيت النبي ومعه امرأة يريد أن يفجر بها»، وقد حدث منهم مثل ذلك فعلاً.
إن هذا جاء من كون النبي جابههم في أمور يعتاشون عليها فأراد إصلاحهم، فلما جابههم حاولوا أن يصموه بما لا يليق به، وهذا هو درب المصلحين، فالقرآن الكريم يريد من النبي، صلى الله عليه وآله، والأنبياء كافة أن يصبروا على الشتم وعلى ما ينالهم في طريق الخير؛ لأن هذا جهاد، هذا ما أكد عليه لقمان الحكيم في وصيته لابنه، وليس الصبر مظهر ضعف ولا حالة هروب من الواقع، ولا ابتعاداً عن مواجهة التحدي، بل هو مظهر قوة في انتظار الإنسان على طبيعة الإنفعال في مشاعره، واتزاز الإندفاع في خطواته وحركة الإرتجال في مواقفه ليكون البديل عن ذلك عقلانية في التفكيرواتزاناً في الخطوات وتخطيطاً في المواقف ليحدد طريقه على أساس الدراسة الواعية المنفتحة على كل آفاق الحاضر والمستقبل ليواجه التحديات الطاغية، بالخطة الدقيقة المتوازنة الباحثة عن الوصول إلى الهدف من أقرب طريق، إنها العزيمة الثابتة القوية الصلبة التي تمنح الإنسان معنى الصلابة في شخصيته، ليواجه الحياة من هذا الموقع.
عن أبي جعفر، عليه السلام، قال: «الجنة محفوفة بالمكاره والصبر، فمن صبر على المكاره في الدنيا دخل الجنة، وجهنم محفوفة باللذات والشهوات، فمن أعطى نفسه لذاتها وشهواتها دخل النار»(3).
الثانية: في مسؤولية الآباء تجاه الأبناء.
إن هذه الوصايا التي ذكرها لقمان الحكيم تتضمن أموراً كثيرة؛ وأول ما يلفت النظر فيها تعبير القرآن الكريم بقوله (يَا بُنَيَّ) والمراد من التصغير هنا الشفقة؛ ونفهم من هذه المحاورة أن القرآن يريد أن يحدد لنا مسؤولية الآباء تجاه الأبناء، لأن بين الآباء والأبناء مسؤولية متبادلة؛ فالأب والأم سبب في نعمة الوجود على الإبن، ولكن إلى جانب ذلك هناك نعمة التربية، فالمطلوب من الآباء أيضاً أن يجنبوا أولادهم المصير المظلم والإعوجاج في السلوك، كما أنه لابد أن يرسما له الطريق الطبيعي في الحياة كيلا يتعثر، فالولد في أول حياته قليل التجارب وإدراكه ليس عميقا؛ لأن الإدراك لون من ألوان المهارة وهوالمهارة الفكرية، والتجارب تعمق هذه المهارة، والقرآن يريد أن يبين لنا هذه المسؤولية.
لذا على الآباء أن يوجهوا أبناءهم تجاه الصلاة في أدائها في وقتها، والمحافظة على الإلتزام بحضور المسجد وأن لا يكتفي بيوم الجمعة فقط أو يوم العطل فرضاً، وأن نصطحبهم معنا دائماً في ذلك.
، إن الصلاة هي التي تحدد هوية الانسان المؤمن، ودور الآباء في غرس العشق للصلاة وللمسجد في قلوب أبنائهم حتى يكبروا ويترعرعوا على ذلك.
نعم إن التهاون الذي نراه عند بعض الآباء ناتج عن عدم الإهتمام بعظم المسؤولية أو من ضعف الإعتماد بالحياة بعد الموت، في حين أن أمير المؤمنين، عليه السلام، يقول: «عجبت لمن أنكر النشأة الأخرى وهو يرى النشأة الأولى وعجبت لعامر دار الفناء وتارك دار البقاء»(4).
———————–
(1)- الكليني/ ج5/ ص321.
(2)- المصدر السابق/ ج7/ ص52.
(3)- المصدر السابق/ ج2/ ص89.
(4)- الشريف الرضي/ نهج البلاغة/ ص491.