ماذا حققت السعودية في اليمن؟

ذكرى العدوان السعودي الامريكي على اليمن

0

ساعات ويدخل اليمن عامه السادس من العدوان السعودي الأمريكي، فخمسة أعوامٍ كانت كفيلةً بكشف ما خفي للعالَم عن الشعب اليمني، وما سُتر عن النظام السعودي، وايضا تعرية النظام العالمي جراء سكوته المطبق عن الجرائم اليومية التي تُرتكب بحق اليمنيين، فأما كشف ما خفي عن اليمنيين، فعشرات المجلدات من كتب التأريخ حول اليمن، إختزلها هذا الشعب في مدة وجيزة، حتى لا يُكلّف القارئ والباحث عناء عشرات الساعات لمعرفة مَن هم اليمنيون.
وكانت بداية هذه المدة من ليلة السادس والعشرين من مارس/ آذار 2015 والى اليوم، فكانت هذه العشية ايذانا بدخول اليمن في عدوان سعوأمريكي، قُتل فيه عشرات الالاف من النساء والاطفال، ودمرت البنى التحتية للبلد، لكنّ هذا العدوان لم يكن مفاجئا لليمنيين بقدر ما فاجأ الكثير من دول العالَم، فآل سعود لم يكن هذا هو عدوانهم الأول على اليمن.
لطالما عُرف عن اليمنيين ببساطة عشيهم، وتواضع حالهم، كان ذلك حافزا لملوك الخليج على التجرؤ لشن عدوانٍ غاشم، لكن تلك النظرة السطحية عن الشعب اليمني، أوقعت المعتدين في مطبات كبيرة لا يمكن تجازوها بسهولة، فمع بدء العدوان السعودي، والذي كان من المؤمل حسم المعركة خلال اسبوعين، حسب محللين عسكريين غربيين، فمع بدء هذا العدوان، هبّ الشرفاء من أبناء هذا الشعب لتنظيم الصفوف ورصها، وتجهيز الامكانيات المتاحة لدرأ هذا الاعتداء الغاشم.

  • اليمنيون والصمود المثالي

إن العقل ليحتار، وإن ذوي الالباب لمشدوهون عما يجري في اليمن، فنظرة واحدة الى الواقع اليمني، وما يقاسيه الانسان هناك، من جوع لا يرحم، ومن فقر لم يفرق بين كبير وصغير، ومن حصار سعودي أمريكي لم يراعِ القيم والاخلاق الانسانية، بنظرة واحدة الى العوائل التي قوتُ يومها اعشابُ شجرةٍ شديدة المروّرة، مع كل يعانيه اليمنيون بما للكلمة من معنى، إذا نظرتَ الى كل ذلك، ونظرت الى الجانب الآخر لهذا الشعب، أي الصمود الملحمي، اذا فعلت هذا، فسيحتار عقلك المحدود، فكيف يجابه هؤلاء البسطاء الحفاة، مملكة النفط، ومن خلفها الدول الكبرى، وعلى رأسها امريكا وبريطانيا وفرنسا.
الصمود في اليمن له ابعاد شتى، فهناك الصمود العسكري في جبهات القتال المختلفة، والتي تربو على اكثر من سبع جبهات، متوزعةً في الداخل اليمني، وعلى تخوم الحدود مع السعودية، فهذا النوع – العسكري- تسجله كاميرات الاعلام الحربي، لكنّ هناك صمودٌ ربما أن وسائل الاعلام لم تسلط الضوء عليه، إما نسيان أو تناسي، وهذا الصمود هو مكمل للصمود العسكري في جبهات الحدود.

يرى البعض أن جانب المأساة هو المخيِم على القضية اليمنية، إلا أن هناك جانبا آخر وهو التصدي للعدوان، عبر مختلف المجالات العسكرية والاقتصادية و الاجتماعية

يتمثل هذا في صمود التكافل الاجتماعي، وهو إعانة الناس لبعضهم البعض، في ظل الحصار والعدوان، وشحة الضروريات الاساسية للحياة، فكما هو معلوم، أن أي حرب تنشب بين طرفين، فإن ابعادها لا تقتصر على التبعات العسكرية، بل تطال بقية جوانب الحياة، من سياسية، واقتصادية واجتماعية ..، والعدوان على اليمن لم يقتصر على المنحى العسكري فقط، فقد عمد تحالف آل سعود وآل زايد، ومن لفَّ لفهم الى إحكام حصار مطبق على اليمن، فمُنع دخول الادوية والمواد الغذائية الاساسية الى البلد، مما سبّب كارثة انسانية، وصفتها الامم المتحدة بأن اليمن يواجه اكبر مجاعة في العصر الحديث.
مع كل هذا، إلا أنه لم يحل بين اليمنيين، وبين الصمود من اجل الكرامة والعزة، فالتكافل الاجتماعي الحاصل اليوم في اليمن، وصفه بعض المراقبين اليمنيين أنه لم يحدث منذ سنوات طويلة، فقد جاء العدوان السعودي، وفي ظنه أنه سيفرق الناس، إلا أنه جعلهم متراصين نحو هدف واحد، تقول أم حسين وهي من سكنة ضواحي العاصمة صنعاء:
أنه وبعد العدوان هُجّر الالاف من محافظات تعز ولحج وعدن وغيرها، الى المحافظات الوسطى والشمالية، فكانت منطقتنا محط لعوائل من محافظة تعز،وكانت حالتهم المعيشة صعبةٌ للغاية.
تضيف أم حسين : “لم يتوانَ أبناء منطقتي من مد يد العون لهؤلاء النازحين، فهناك من تبرع بعشرات البطانيات، وهناك من تبرع بأدوات المطبخ وما يحتاجه من مستلزمات، فلم يُتركوهم وحالهم”.
وتؤكد :” عندما اقوم باعداد الخبز، اضعُ في الحسبان جيراني النازحين، فإذا خبزت عشر خبزات، فلهم خمس ولنا خمس، نأكل سوية، ونقاسي الجوع معا”.
وتشير أم حسين : “أن خطباء المساجد يحثون الناس كلَ يومِ جمعة بالاهتمام بالعوائل المتعففة والفقيرة، لاسيما النازحة.
لهذا الحس العالي من المسؤولية الاجتماعية صمد اليمنيون أمام اقذر حرب يواجهونها، أمام أناس لا يعرفون للاخلاق والقيم الانسانية موضعا.

  • دور ثقافة أهل البيت في تأسيس روح الثورة

شكّل دخول اليمنيين الى الاسلام نقلةً نوعية جديدةً في الثقافة السائدة هناك، وتشكيلاً جديدا للهوية اليمنية، وإذا عدنا الى التاريخ، وبالتحديد السنة الثامنة للهجرة حين ارسل النبي الاكرم، صلى الله عليه وآله، خالد بن الوليد الى اليمن لهداية الناس الى الدين الجديد، لكنّ خالد فشل في مهتمه وعاد خائبا، فكان البديل الامام علي بن أبي طالب، عليه السلام، وفعلا دخل أهل اليمن الى الاسلام عبر وصي رسول الله، ومن هنا تشكّلت العلاقة الوطيدة بين اليمنيين و أهل البيت عليهم السلام.
فكانت القبائل اليمنية عضيدة أهل البيت، عليهم السلام، بداية من الامام علي، عليه السلام، والى أن يظهر الحجة المنتظر، عجل الله فرجه، ولأن قبيلة همْدان كانت هي أُولى القبائل دخولا الى الاسلام على يد الامام علي، فكانت هي السباقة في حروب الامام، بدءً بالجمل وصفين والنهروان، وبهذا تشرّب حب أهل البيت الى نفوس أبناء هذه القبيلة جيلا بعد جيل، وهناك عشرات القبائل كالازد والنخع ومذحج كان ولاؤها لاهل البيت عميقا ومترسخا وممتدا الى اليوم.
لماذا ابناء الشمال فقط؟
وحدهم هم ابناء الشمال الذين تميزا وانفردوا بهذه الميزة، وهي رفض الطغاة والمستكبرين، وهذه بدوره راجع الى دور ثقافة أهل البيت، عليهم السلام، فأبناء المناطق الشمالية والوسطى الشرقية،ومَن انتهل من ذلك المعين الصافي، هم وحدهم من يتصدون للاطماع الخارجية، لكن جنوب اليمن، والذي يتمثل اليوم في محافظات عدن والضالع ولحج والمهرة واجزاء من حضرموت وابين، هؤلاء يعيشون اليوم ربق العبودية، ومهانة الذل فالعدوان السعودي الاماراتي الذي كان هدفه اليمن ككل، لم يجد ترحيبا وقبولا الا عند الجنوبيين، أما في الشمال فكان كل شبر جمرة تلتهب في ضد العدوان، وإن وجد فهم اولئك عبيد الريال السعودي، واذا راجعنا ثقافتهم فهم من الخط المناوئ لثقافة أهل البيت عليهم السلام.
أما تاريخيا فمناطق الجنوب كانت ارضا خصبة لمحتلف الغزاة، فالاسبانيون والبريطانيون جثوا على تلك الارض لعشرات السنين، ينهبوا ثرواتها، ويهينوا ابناءها، دون رادعٍ يردعهم عن ذلك، وأما اليوم ومنذ خمس سنوات فالاماراتي والسعودي تقاسما أرض الجنوب، وكل يسرح ويمرح دون رقيب.

  • اليمن تاريخ عصي على الغزاة

حاولت الدولة الاموية، ومن بعدها العباسية اخضاع اليمن تحت الهيمنة، إلا انهما فشلتا، مما اضظهرها الى سحب بساطهما عن اليمن
وفي العصر الحديث حقّقت اليمنُ أول استقلال وطني في العالم العربي من الإمبراطورية العُثْمَـانية، في القرن السابع عشر، بطرد الاحْتلَال العُثْمَـاني الأول سنة (1045هـ – 1635م) بثورة شعبية يمنية ضد الولاءة العُثْمَـانيين، تزعَّمَها (الإمام) القاسم بن محمد ( زيدي المذهب).
أما في الغزو العثماني الثاني لليمن، فقد انتصر اليمنيون ، وفي الفترة ما بين 1904 ـ 1911 بلغت خسائر العثمانيين عشرة آلاف جندي وخمسمائة ألف جنيه استرليني في العام الواحد، ذلك بعد المواجهات التي خاضها الامام يحيى بن حميد الدين ضدهم، حينها اضطرت الدولة للاستسلام للإمام يحيى في النهاية عام 1911.

  • الاحتلال السعودي لليمن

إما جهلا أو تجاهلا، لم يقرأ آل سعود تاريخ اليمن في التعامل مع الغزاة والمحتلين، مع أن تاريخ اجدادهم كان تاريخا مريرا مع اليمنيين، فهذا العداون الذي يفرضه النظام السعودي ليس جديدا، فمن الجرائم المشهورة التي ارتكبها نظام عائلة آل سعود مجزرة وادي تنومة، والتي راح ضحيتها ثلاثة آلاف حاج يمني، قتلهم جلاوزة النظام، عندما كانوا متوجهين للحج عام 1923، بودي تنومة في عسير.

الصمود في اليمن له ابعاد شتى، فهناك الصمود العسكري في جبهات القتال المختلفة، والتي تربو على اكثر من سبع جبهات، متوزعةً في الداخل اليمني، وعلى تخوم الحدود مع السعودية

واليوم يرتكب السعوديون الجُدد ابشع الجرائم بحق الشعب اليمن، فحسب الاحصائية الصادرة عن المركز القانوني للحقوق والتنمية بصنعاء العام الماضي، فإن آلة الحرب السعودية قتلت اكثر من خمسة عشر ألف مواطن يمني مدني بدم بارد، منهم ثلاثة آلاف وست مئة وسبعة وسبعين طفلا، وألفين وثللث مئة وواحد وستين امرأة، وحسب احصائيات وزارة الصحة بصنعاء الصادرة مؤخراً، فقد أصيب أكثر من أربعة وعشرين الف يمني.
إلا أن ارقام الضحايا المدنيين الذين فقدوا حياتهم بسبب العدوان والحصار يتجاوزون المئة الف نسمة حسب التقديرات الأولية، منهم أكثر من خمسة وعشرين الف مريض توفوا بسبب انعدام الدواء، يضاف إلى وفاة طفل كل عشر دقائق بسبب سوء التغذية الحاد، و أكدت الاحصائية أن محافظة صعدة لاتزال متصدره المرتبة الأولى في قائمة الضحايا المدنيين.
أما البنى التحتية التي دمرها العدوان السعودي بانواعها، خدمية، واقتصادية، فهي بالعشرات والمئات في مختلف اليمن، فخمسة عشر مطار عُطلت عن الخدمة، وكذلك المؤانئ، اما المنشئات الاقتصادية، فاكثر من ثلاث مئة مصنع دُمر بالكامل، وسبعة آلاف منشأة تجارية طالتها يد الظلم بصواريخه.

  • انحراف الاهداف السعودية الاماراتية

دخلت السعودية اليمن بذريعة اعادة الشرعية، للرئيس الفار في الرياض، عبد ربه منصور هادي، وادعت أنها خلال اسبوعين (ستحرر) صنعاء من الحوثيين، وأن اهدافها ستقتصر على الاهداف العسكرية، لكن بنظرة الى الواقع اليمني، يرى المتابع أن تلك الاهداف انحرفت، وتحولت الى قتل الشعب اليمني وابادته، وتدمير البنى التحتية للبلد، ففي الجنوب المحتل الذي تسيطر عليه قوى العدوان السعودي الاماراتي، تعيش تلك المحافظات انفلات امني غير مسبوق، فعمليات الاغتيال اصبحت شبهه يومية.
أما الامارات والتي تعيش عقدة النقص الحضاري التأريخي، فتوجهت الى سرقة الآثار اليمنية، وتهريبها الى دبي وابو ظبي، وتوجهت الى تعطيل المؤاني اليمنية، وابرزها ميناء عدن، والذي كان يدر على اليمن ملايين الدولارات.
ومن هنا يتبين ان الاحتلال السعوأماراتي لم يكن هدفه صد الحوثيون كما يزعم، وانما الهدف تدمير اليمن حضارةً وانسانا.

  • اليمن يحصد ثمار الصمود

ربما يرى البعض أن جانب المأساة هو المخيِم على القضية اليمنية، إلا أن هناك جانبا آخر وهو التصدي للعدوان، عبر مختلف المجالات العسكرية والاقتصادية و الاجتماعية، فعلى المستوى العسكري، حققت القوات اليمنية بمختلف صنوفها انجازرات عسكرية كبيرة، تمثلت في السيطرة على عدد كبير من المناطق السعودية، بالاضافة الى الاستيلاء على عشرات المعسكرات.
فالقوة الصاروخية، فرضت معادلتها، و نجحت في اصابة اهداف حساسة عسكرية واقتصادية، في كلا من السعودية والامارات، مما ينذر بأن هناك تناميا في تطوير القوة الصاروخية اليمنية، وكان آخرها استهداف شركة آرامكو، شرق المملكة، مما سبب في ارتقاع اسعار النفط، وخسرت الشركة خمس مئة مليون دولار، واضطرت الى بيع اسهمها.
أما في الداخل اليمني فقد استعادت القوات اليمنية مسنودة باللجان الشعبية، محافظة الجوف ثاني اكبر محافظة يمنية من حيث المساحة، وطردت مرتزقة آل سعود منها، وشكل هذا الانتصار الكبير نقلة نوعية في سير المعارك في الجبهات الداخلية، وعلى الصعيد الاقتصادي فقد عمدت المؤسسة الزراعية الى الاكتفاء الذاتي لمختلف الحبوب الغذائية، مما عزز جبهة الصمود الداخلي.
بعد خمس سنوات من القتل والحصار، لم يجنِ العداون إلا صفحة عار جديدة اُضيف الى تاريخ اسود مليئ بالجرائم والقتل، ولم يحرزوا أي انتصار سوى تكبيد الشعب السعودي الخسائر البشرية والمادية، إذ قدرت الاحصائات القتلى والجرحى من الجيش السعودي اكثر من عشرة آلاف، في المقابل ضحى اليمنيون بأنفسهم واموالهم من أجل كرامتهم، {فأي الفريقين أحق بالأمن}.