قبل أن نشهد التشييع الجماهيري في العراق لقائد الثورة الإسلامية في ايران، آية الله السيد علي الخامنئي –رحمه الله- شهدنا صور حشود الجماهير الإيرانية المتدفقة بالملايين خلف نعش قائدهم لتوديعه الى مثواه الأخير.
نحن لم نذهب الى ايران، ولم نشاطر الجماهير الإيرانية حزنها في الشوارع والساحات، مكتفين بمتابعة الاحداث من وسائل التواصل الاجتماعي، ثم إننا لم نتعرض لحرب ظالمة أودت بحياة الآلاف من النساء والأطفال والابرياء بقصف جوي قاده الثنائي الصهيواميركي، فقد كانت أبرز المدن الإيرانية الكبيرة تحت القصف الجوي مثل؛ طهران، واصفهان، وتبريز، واهواز، و يزد، و اروميه، وشيراز، وحسب مصادر عسكرية إيرانية فان حوالي ثمانين غارة جوية كانت تتعرض لها على هذه المدن يومياً، و أي انسان حُر وكريم يفهم بمعنى قصف جوي بهذه القسوة على الحياة الاجتماعية للناس.
هؤلاء الناس الذين هُم اليوم أسياد الموقف أمام العالم كله، فالقائد محمولٌ على الاكتاف، بينما هم يقفون بكل صلابة على الأرض، لم يعترضوا، ولم يتبرموا من كل ما اصابهم من فقد الأبناء، وهدم البيوت، لاسيما وأن الحرب بدأت خلال طقس الشتاء البارد، وما يعنيه من العيش بدون تدفئة، لأنهم يتحدون قوى ظالمة في حرب غير متكافئة لا تريد لهم الخير والتقدم، وتريد ان تكون ايران مثل كثير من الدول المطيعة لقرارات واشنطن، وتل ابيب، وهذا ما فهمه الإيرانيون، ليس اليوم، وإنما منذ الرحب العراقية- الإيرانية عندما شهدوا كيف أن العالم من شرقه الى غربه ساند نظام صدام لتحجيم “الثورة الإسلامية”، فقد اندلعت تلك الحرب بعد عام واحد على انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، واليوم يشهد محاولة جديدة، وهذه المرة من قبل الولايات المتحدة بنفسها لتحجيم “الدولة الإسلامية”، وتجريد ايران من رداء الوطن ومن ظل القيادة الواحدة، ومن المبادئ السامية التي ضحى من أجلها أبناؤها طيلة الأربعين عاماً الماضية.
هذا الوعي الحضاري لدى الانسان الإيراني خيّب آمال شخص يدّعي انه يجسد غرور اميركا كلها، في تمزيق ايران وجعلها لقمة سائغة للشركات الضخمة وأصحاب الرساميل، فقد جرّب ترامب الضغوط الاقتصادية ومصاعب المعيشة لحوالي مئة مليون انسان، ثم جرب سهمٌ آخر في الجبهة الأمنية علّه ينجح في بتر العلاقة بين الشعب وقيادته، و وطنه ايضاً من خلال أحداث العنف والشغب داخل البلاد، وتصور واهماً أن الانسان الإيراني مستعد لأن يبيع كل شيء؛ نفسه و وطنه، وقيادته، وتاريخه من اجل ان يلبس الفاخر من الملابس، ويقتني السيارات الفارهة، ويسكن القصور، و يقلب بيديه أكداس الأموال!
بالحقيقة؛ نحن لا نشيّع جنازة رجل مؤمن، فهو ما نفعله يومياً، لاسيما نحن أبناء المدن المقدسة، نتقدم مسرعين بأيدينا لحمل الجنائز في المراقد المقدسة بدافع الثواب والأجر الإلهي، إنما نحمل دروساً وعبراً جمّة في صنع حياة حُرة كريمة، لنا ولأحفادنا، والاجيال القادمة، وربما يكون الإيرانيون قرأوا تجارب شعوب مثل؛ الشعب الهندي، والشعب الصيني، والشعوب التي بنت أوطاناً من تحت الركام، ومن مرارة العيش، وها هم اليوم يقدمون للعالم وثيقة تاريخية بأنهم شعب لا يُقهر في ظل القيادة الموحدة، وعلى أرض الوطن الواحد، والنجاح في هذا الاختبار الكبير يضمن لهم النجاح في تجاوز الازمات الاقتصادية، والسياسية، فهم في الوقت الذي ودعوا فيه قائدهم الشهيد، يعلنون الولاء للقائد الجديد، وهذا هو عين الحياة لبلد وشعب متطلع الى مستقبل واعد.
وهذا يعني إن انتصارهم السياسي الكبير أمام قوة عالمية مثل الولايات المتحدة، هو الذي سيفضي الى الانتصار الاقتصادي على كل الازمات والمصاعب التي تجرعوها طيلة السنوات الماضية بسبب العقوبات الظالمة التي فرضتها اميركا، ومن ثم؛ فان كل شيء امامنا هو صنع إيراني بامتياز لا يشاركه شيء من الخارج، وها نحن أمام نمط آخر من حياكة السجاد الإيراني المميّز والفاخر الذي ينجز العمل العظيم بصبر أعظم.
