حدیث الناس

بين التعبد والتعليب: هل هويتك نابعة من “النص” أم من “التريند”؟

نعيش اليوم في عصر “السيولة الثقافية”، حيث لم يعد طمس الهوية يتم عبر المنع أو القمع، بل عبر إعادة التدوير. لقد باتت القيم والممارسات العميقة تُنزع من سياقها الروحي وتُغلف بأغلفة عصرية براقة لتناسب الذوق العالمي العام. في هذا الفضاء، تضيع (النية)؛ تلك البوصلة التي تحدد جوهر الفعل، ويحل محلها “الاستهلاك الثقافي” الذي يحول العابد إلى ممارس لنشاطات عصرية.

سيكولوجية الهروب: من (المقدس) إلى (المدني)
المشكلة الحقيقية اليوم ليست في ممارسة الرياضة أو البحث عن فوائد الصيام، بل في (الفوبيا) من المسمى الديني. المسلم المتشبع بالليبرالية يعيش حالة من “الخجل الهوياتي”، فيرى في “الصلاة” عبئاً طقوسياً يربطه بالماضي، بينما يرى في “اليوغا” رقياً يربطه بالعالم. يهرب من “الصيام” كفرض وتكليف، ويرتمي في أحضان “الصيام المتقطع” كنمط حياة صحي. هذا الهروب هو في جوهره طمس للهوية؛ لأنه استبدال لمرجعية “الخالق” بمرجعية “المختبر” أو “التريند”.

هويتك بين مصطلحين: قارن لتعرف من أنت؟
لنعرف أين نقف، دعونا نتأمل كيف يتم (تبييض) المصطلحات الدينية لتصبح مقبولة في الصالونات الليبرالية، وكيف يهرب البعض من الأصل ليتمسك بالفرع المادي:

الصلاة مقابل اليوغا والتركيز الذهني:
بينما يراها المؤمن صلة وامتثالاً ووقوفاً بين يدي الخالق، يحولها “المسلم الليبرالي” إلى تمارين لتفريغ الشحنات السالبة وتحسين مرونة المفاصل، هرباً من قيود “التكليف” إلى رفاهية “الاسترخاء”.

الصيام مقابل الصيام المتقطع (Intermittent Fasting):
بينما هو طاعة وتزكية وكف للنفس عن المباحات تقرباً لله، يتم تعليبه ليبرالياً كـ “ديتول حيوي” وهندسة جسدية لتنظيم الأنسولين وحرق الدهون (رجيم)، فتغيب نية “التقوى” وتحضر نية “الرشاقة”.

غض البصر مقابل (الذكاء البصري) (Visual Intelligence):
تحول الورع التقوي إلى مهارة تواصل احترافية. فحين يمارسها المؤمن امتثالاً للأمر الإلهي، تُهاجم كفعل “متشدد”، ولكن حين تُسمى “انضباطاً بصرياً” لزيادة التركيز المهني، تصبح قمة الرقي.

موقف السيد مرتضى المدرسي) وازدواجية المعايير
تتجلى ذروة طمس الهوية في كيفية التعامل مع المواقف الأخلاقية الصرفة. ولعل ما تعرض له السيد مرتضى المدرسي مؤيراً في ندوته النسائية خير شاهد؛ حيث واجه انتقادات واسعة وتناولاً ساخراً لمجرد التزامه بـ “غض البصر” وتجنبه النظر المباشر للحاضرات، فوُصف الموقف بالانغلاق.
وهنا تبرز المفارقة؛ لو أن مدرباً عالمياً تحدث عن (الذكاء البصري) وتحديداً شق (الانضباط البصري Visual Discipline)، وهو: مهارة السيطرة على حركة العين وتوجيهها نحو ما يخدم الهدف فقط (سواء كان دراسة، نقاشاً، أو عملاً) وتجنب المشتتات البصرية، لصفق له هؤلاء المنتقدون أنفسهم!
لقد أصبحت النتائج واحدة، ولكن الفرق في (المنظار)؛ فإذا سبقت الممارسة (منظار ليبرالي) تقبلوها، وإذا كانت (حواجبنا دينية) رفعوها استنكاراً وخجلاً.

اعرف هويتك
إن المسلم المحاصر بالليبرالية بات يهرب من الصلاة والصيام وغض البصر بمسمياتها الشرعية، ليبحث عنها في اليوغا والريجيم والذكاء الاصطناعي أو البصري. إنها أزمة هوية بامتياز؛ فالمؤمن الحقيقي لا يحتاج لتعليب دينه بماركات أخرى ليتقبله.
إذا كنت لا تتقبل الفعل إلا إذا (لبرل)، فأنت لم تفقد المصطلح فحسب، بل فقدت البوصلة التي تخبرك من أنت. فهل أنت ممن يعبدون الله حباً وامتثالاً، أم ممن يتبعون ما تمليه عليهم قوالب الحداثة؟

عن المؤلف

د. محمد جواد منذور/ دكتوراه في القانون

اترك تعليقا