بصائر

كيف تؤثر الاستقامة في تحقيق الانجازات؟

إذا وضع الانسان لنفسه خريطة في هذه الحياة فإن بإمكانه ان يعيش سعيدا ويحقق الاهداف السامية، وخريطة المؤمن هي القرآن الكريم، وسيرة النبي الاكرم، صلى الله عليه وآله، والائمة الطاهرين

الاستمرار على الاستقامة من الامور المصيرية التي تواجه الانسان المؤمن، فالوصول الى مرحلة معينة من الاستقامة هو انجاز، لكن الانجاز الحقيقي هو الاستمرار في طريق الاستقامة.

المؤثرات الخارجية من قبيل وساوس الشيطان، والشهوات، والضغوط الحياتية تؤثر على استقامة الانسان، التي تمثّل مصيره الدنيوي قبل الأخروي.

الانسان المؤمن في نظر امير المؤمنين عليه السلام: “كَالْجَبَلِ لَا تُحَرِّكُهُ الْقَوَاصِفُ، وَلَا تُزِيلُهُ الْعَوَاصِفُ”، وهنا لابد ان تتساءل وتتوقف لحظة لطرح السؤال المصيري التالي: من أنا؟

وما هو هدفي؟

ربنا في كثير من الآيات يبين لنا ضرورة الصبر: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنْ الرُّسُلِ} {وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ}. وفي سورة العصر: {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}.

فما هو الصبر؟

وكيف يصبر الانسان؟

الانسان الذي عرف نفسه، وعرف أن له هدف في هذه الحياة، وتبصّر أن له عدو هو الشيطان، والنفس الأمارة بالسوء، هذا الانسان هو الذي رسم لنفسه الخريطة الصحيحة التي توصله الى الغاية المثلى، ومثل هذا الانسان لا يُخاف عليه، لانه عرف هدفه، وغاية وجوده في هذه الحياة.

يوميا نقرأ في صلواتنا: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} وهذا هو {فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً}. وفي نفس سورة الفاتحة نقرا ايضا: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ}.

الكثير من البشر ضال؛ وهذا يعني عدم وضوح الرؤية، ولا يدري ما هي حقائق الحياة، فتراه لا موقف ثابت له في هذه الحياة، تأخذه الظروف يمينا وشمالا.

لذلك بداية الامر على الانسان أن يُخرج نفسه من الضلالة الى الهدى، وهذا يكون بعقد العزم على ذلك، ثم الطلب من الله التأييد والعون.

ومن الاساسيات في حياة الانسان بعد ان يكتشف حقيقة نفسه يطرح التساؤل التالي: ما هي خريطتي العملية في حياتي الشخصية؟

ولتوضيح الفكرة نضرب مثلا من حياتنا الواقعية: حين يريد أي مهندس التخطيط لبناء بيت؛ فإنه يدرس موقع البناء بشكل كامل، من جانب التربة، وهل الارض رخوة أم صلبة، وبقية الامور الاخرى في هذا الجانب.

كيف يرسم الدِين خريطة الانسان؟

دين الاسلام شرح لنا خارطة الطريق كاملة؛ الاحكام الشرعية، البصائر..، وكل ما جاء به الدينية يمثل منظومة متكاملة، لكن تكمن المشكلة عند الانسان أن عليه ان يطبق خريطة الدين على الواقع.

وهنا مكمن الضعف عند الانسان؛ ترى البعض يصلي، لكن لا يفهم معنى قوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ}، فلا يعرف ما هو اللغو، ولا كيف يُعرض عنه، ايضا تجده يصلي، لكن لا يعرف معنى الخشوع في صلاته، وكيف ان صلاته لابد ان تنهاه عن الفحشاء والمنكر. لذلك جاءت الاية الكريمة لتقول: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ}.

التطبيق العملي للدِين هو المطلوب منا، ومواجهة التحديات وفق التعاليم الربانية تمثل الخريطة العملية لنا؛ اليوم نحن كمسلمين نواجه هجمات ساحقة من الغرب، فهم لا يريدون ان يستعمروا بلداننا وينهبوا ثرواتنا وحسب، بل هم يسعون الى يسلبوا ديننا، وهويتنا. ومن الامثلة على ذلك هو كلام الغربيين عن حجاب المرأة المسلمة في البلدان الاسلامية، وهذا يعد تدخلا سافرا في شؤون المسلمين الخاصة.

يتدخل الغرب في شؤوننا ومشاكلنا الداخلية بينما الاولى بهم ان يهتموا بمشاكلهم الخاصة، فمثلا قبل ايام قُتلت امرأة مهاجرة على ايدي الشرطة الامريكية، لكن أحدا لم يتكلم، بينما إذا صار حدث في بلادنا يتدخلون ويؤججون الإعلام ضدنا.

لذلك يقول الله: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ}. فقرارنا كمسلمين هو ان نواجه، لا ان ننتظر ليأتوا ويفعلونا بنا ما يشاؤون، لان ديننا لا يقبل منّا ذلك، فأول كلمة في الدين هي “لا إله إلا الله”، وأول كلمة هي قوله تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ}، وايضا {وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ}. وكلمة التوحيد اول حروفها (لا) وهي النفي، ثم يكون التثبيت “لا إله إلا الله”.

خارطة الطريق لتحقيق الانجازات

ولذا إذا جعلنا أمامنا خارطة طريق مستوحاة من القرآن الكريم، ومن النبي وأهل بيته الطاهرين، ومن التاريخ الحافل لاتباع أهل البيت، عليهم السلام، إذا جلعنا ذلك فإن واقعنا يختلف تماما.

وتاريخ علماؤنا الأعلام كان حافلا بالانجازات الكبيرة والعظيمة التي قُدمت للدِين وللأمة، فمثلا المرجع الديني محمد حسين البروجردي أسدى خدمة كبيرة للأمة، فقد بنى مئات المساجد في إيران، وعشرات آلالاف من طلاب العلوم الدينية تخرجوا من حوزاته، وحافظ على الاوضاع في ايران بعد الحرب العالمية الثانية خلال خمس عشر عاما.

وعلماؤنا إنما وصلوا الى ما وصلوا اليه ذلك لانهم في عطاء دائم، وكانوا يعيشون التحدي، وهدفهم كان كبيرا، وهذه الحالة إنما وصلوا اليها لانه عرف نفسه اولا، فالمجيء الى هذه الدينا ليس للراحة، إنما للامتحان، والله تعالى خلق الانسان ليمتحنه: {إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ}. فالدنيا ـ في نظر العلماء ـ ليست متنزه، وإنما قاعة امتحانات، وهذه النظرة هي التي تجعلهم يتعاملون مع الحياة بشكل مختلف. ولهذا نجد ان التعب لم ينل منهم نهائيا، وبعض علماؤنا الى آخر حياته وهو في عطاء.

والحقيقة ان هذا ممكن لكل إنسان، فالعلماء لا يختلفون عن بقية الناس في شيء، سواء أنهم قرروا أن يكونوا شيئا في هذه الحياة، ويقدموا ما يجب عليهم، وأي واحد منا إذا قرر ان يكون في طريق الائمة والعلماء فإن بإمكانه الوصول الى مراتب سامية.

علماؤنا إنما وصلوا الى ما وصلوا اليه ذلك لانهم في عطاء دائم، وكانوا يعيشون التحدي وهدفهم كان كبيرا

إذا وضع الانسان لنفسه خريطة في هذه الحياة فإن بإمكانه ان يعيش سعيدا ويحقق الاهداف السامية، وخريطة المؤمن هي القرآن الكريم، وسيرة النبي الاكرم، صلى الله عليه وآله، والائمة الطاهرين، ومن ثم العلماء، هذه خريطة واقعية يمكن للانسان المؤمن تطبيقها حينها يكون يحقق اهدافه ويحيا سعيدا في هذه الدنيا.

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا