بصائر

كيف نواجه التحديات الحضارية (10) الحكمة والشجاعة والطاعة

حديثنا لا يزال حول موضوع مهم، وهو كيف يواجه المسلمون التحديات التي هي كثيرة؛ تحديات عسكرية في غزة مثلا، مؤامرات في السوادن، صراعات ثقافية في كل مكان.

هذه التحديات في الظاهر اكبر من حجمنا وقدراتنا، وحين نتحدث عن مواجهتها، لا نتحدث عن امور فوقية، إنما نتحدث عن القواعد الاساسية التي تستطيع الامة عبرها مواجهة تلك التحديات، والأمة ليست شخص او شخصين؛ وإنما مجموعة كبيرة من الناس. صحيح انه قد يبدأ العمل مع فئة قليلة كما يقول الله {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} وقد يستمر مع عناصرَ كثيرة، و تاريخ النبي الاكرم، صلى الله عليه وآله، شاهد على ذلك.

و أهم شيء تأسيس القواعد المتينة التي لا تنهار بسبب الظروف التي تواجهها، فالمؤمن كالجبل لا تحركه العواصف ولا تزيله القواصف،عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: المؤمن أصلب من الجبل، الجبل يستقل منه والمؤمن لا يستقل من دينه شيء “.

محورية التجمعات المؤمنة الصالحة هي الطاعة لله، ثم للرسول، ثم لخلفاء الرسول (الائمة) ثم لمن أمر الأئمة بطاعتهم.

أتباع أهل البيت، عليهم السلام، مروا بظروف متفاوتة؛ فبعد النبي كانت ظروفا تختلف عما كانت عليه في زمن خلافة أمير المؤمنين، وفي حياة الامامين الحسن والحسين كانت ايضا مختلفة. الظروف المتغيّرة جعلت المسلمين يعرفون الحكم الشرعي في كل ظرف من الظروف، لانه في كل حالة من الحالات اشبه بما كان في بداية الاسلام.

الإمام المهدي، عجل الله فرجه، غاب غَيبتين، ففي الغيبة الصغرى عرف المؤمنون كيف يتجمعون حول وكلاء الإمام ( النواب الأربعة)، وكذلك في الغيبة الكبرى تجمعوا حول ايضا وكلاء الإمام ولكن ليس اشخاص، وإنما يعرفونهم بصفاتهم، “وأما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه..” كما بيّن الإمام العسكري عليه السلام.

والإمام المهدي، عجل الله فرجه، في حديث المكاتبة بيّن: “وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله” والشيعة عرفوا ذلك، ليس من هذه الروايات، فتعاليم أهل البيت لم تكن منها فقط، بل ربّوا شيعتهم على هذا الاساس.

هذه الروايات والتربية التي تلقاها الشيعة من النبي وأهل البيت صارت ذا نفعٍ كبير، إذ أسّسوا تجمعات، وهذه المرجعيات الدينية والتي يمتلئ تاريخها بأدوار كبيرة، وكل عالِم ومرجع قام بدوه المنوط به على امتداد التاريخ الى يومنا هذا.

ركائز التجمعات الايمانية

معرفة الركائز تعطينا رؤيةً صحيحة للأحداث و ربما تنفعنا في عدم التطرف يمنيا ويسارا، ومن هذه المعرفة التي اعطتنا الرؤية الصحيحة السليمة، هي رؤيتنا للطاعة؛ عبر معرفة اهدافها، و رؤيتها.

طاعة العلماء هي طاعة الائمة ومقياس معرفتنا بالطاعة كيف كان النبي والائمة يُطاعون، ونقيس عليه، ليس لان طاعة العلماء هي طاعة الائمة، لان هناك مستوى مختلف. الائمة معصومون بإذن الله، والعلماء عدول لكن ليس بالضرورة يكونوا معصومين، وهذا يفتح لنا بابا عظيما لمحاولة الوعي والانتقاد وقبوله.

صفات طاعة العلماء

الشيعة بسبب تربية الائمة وفهمهم الصحيح للقران الكريم كانوا يمتازون بالحكمة، وتأتي ان طاعتهم لله ليست من منطلق المصالح، ولا من العصبيات وما اشبه، بل طاعتهم قائمة على أساس أمر الله، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ}، {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ}.

الحكمة تعني متى تحارب، ومتى تعمل بالتَقية، ومتى تتوسع الحرب وما اشبه، هكذا كانت حياة أئمتنا عليهم السلام، فأمير المؤمنين كان له موقف خلال حكم الثلاثة، والإمام الحسن والحسين كلٌ عمل بما يراه مناسبا وتلك هي الحكمة. وأمور كثيرة لابد أن ندرسها ونعتبر منها حتى نحصل على حكمة التصرف، أما إذا عملنا من دون حكمة فسيكون مصيرنا كتلك الفئات الثورية التي كانت في صدر الاسلام وانتهت، لان اعتمادها كان على الحرب ( الشجاعة) فقط دون الحكمة، يقول ابو الطيب المتنبي:

الرَأيُ قَبلَ شَجاعَةِ الشُجعانِ

هُوَ أَوَّلٌ وَهِيَ المَحَلُّ الثاني

فَإِذا هُما اِجتَمَعا لِنَفسٍ حُرّةٍ

بَلَغَت مِنَ العَلياءِ كُلَّ مَكانِ

أما الشجاعة عند المسلمين الشيعة تأتي من أنهم عشّاق الشهادة، فالشيعي ـ وهو صغير السن ـ يقف أمام قبر الإمام الحسين وقبور الاصحاب ويقول: “يا ليتني كنت معكم فأفور فوزا عظيما” لان الشهادة حب، وأمل، وتمنّي، والذي لا يخاف الموت لا يخاف من شيء آخر، لانه وصل الى قمّة الشجاعة.

الحكمة تعني متى تحارب، ومتى تعمل بالتَقية، ومتى تتوسع الحرب وما اشبه، هكذا كانت حياة أئمتنا عليهم السلام

وكما ان هذه الفئة تمتلك الشجاعة تملك ايضا الاخلاص لانهم يعملون ضمن الاهداف الاساسية، ويتركون الاعمال غير الصحيحة، وهذا هو الذي يولّد الأخلاص.

والشيء الآخر المتولّد من الطاعة؛ أن الشيعة حين يتبعون القائد لا يتساءلون، بل ينفذون، حيث يصل ـ الشيعي ـ الى درجة لا يسمح للشك والشيطان بالدخول الى قلبه، وثمة آيات في سورة النساء تتحدث عن القيادة،  صحيح أن الحديث عن النبي، لكن مثال طاعة النبي يتجسد في أمير المؤمنين، والأئمة من بعده، عليهم السلام، ومن ثم يمتد الى العلماء.

قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ} الرسول يطاع، لانه قائد، والطاعة بإذن الله، وليست ذاتية.

{وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً} الطاعة متصلة بطاعة الله، لان الرسول وسيلة، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ}، فلو أن احدهم أخطأ حتى فيما بينه وبين الله يأتي الى الرسول ويعترف بخطئه ليستغفر له النبي، لان الدعاء يستجاب بالنبي.

الطاعة الخالصة من دون أي وسوسة {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ} كل خلاف بينهم يظهر، لابد أن يأتوا الى النبي ليحكم بينهم، وإذا حكم النبي لاحدهم لابد من القبول بحكم النبي {وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً}. عن عبد الله بن أبي يعفور قال قلت لأبي عبد الله عليه السلام: والله لو فلقت رمانة بنصفين فقلت هذا حرام وهذا حلال لشهدت ان الذي قلت حلال حلال وان الذي قلت حرام حرام قال رحمك الله رحمك الله.

{وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً} المؤمن يسعى الى ان يكون معهم.

الطاعة للنبي وللائمة، ومن ثم العلماء، تمثل ركيزة أساسية في التجمعات الايمانية، لان أي تجمع إيماني بدون امتداد للطاعة تكون قاعدته الاساسية رخوة، حينها لا يمكنه مواجهة التحديات التي تكون في بعض الاحيان أكبر من حجمه.

__________

مقتبس من محاضرة لسماحة المرجع الديني السيد محمد تقي المدرسي دام ظله

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا