لازلنا نتحدث عن مواجهات التحديات الحضارية، وإذا اسهبنا الحديث عنها فعلينا ان نخصّص شهرا من الحديث، لان التحديات كثيرة ومتنوعة، وفيها الكثير من المكر والحيلة، كما فيها الامكانات التي استفادها الكبراء من بلادنا، وانقلبوا علينا، واستخدموها ضدنا.
الحديث ـ الآن ـ عن مسألة اساسية، عن القاعدة، لابد ان تكون قاعدة المواجهة رصينة، لانه إذا كانت قاعدة البناء مزلزلة رخوة لا يبلث البناء ينهار، البناء الشامح يحتاج الى قاعدة رصينة.
بناء الامة بناء شامخ؛ فمن الناحية العددية، ومن ناحية المساحة فالامة الاسلامية نصف العالم، ومن ناحية الرصانة والقوة يجب ان تكون بالمستوى او اكثر مما هو موجود في العالم.
القاعدة هي ولاية الله، الخليقة مخلوقة لله، ولذلك فهي من الناحية الطبيعية خاضعة لله، {وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} فالكل يسجد لله ويخضع له، ومن الناحية التشريعية يجب ان يكون البشر منسجما مع المسيرة الكبرى الخاضعة لله.
ولاية الله تتجلى في ولاية النبي، وولاية النبي تتجلى في ولاية الخلفاء (الائمة الطاهرين) وولاية الائمة في ولاية المؤمنين.
والسؤال المهم: هل المؤمنين متساوون؟ العالِم والجاهل؟
بالطبع كلا، المؤمنون لا يستوون مع بعضهم البعض، لانه: {يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} ولان الله يقول للجَهَلة: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} ولان الله حينما ضرب لنا مثلا حين خلق الخليقة كلها؛ {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} هناك بيوت معينة مخصوصة، وأهل الذكر هم الذين في هذه البيوت، ويسأل احدهم: بيت فاطمة منها: قال: هو من أعاليها.
ولاية الله يجب ان تتسلسل الى ان تصل الى كل مؤمن، ولهذا يجب ان تتجلى ولاية الله فينا اليوم، صحيح اننا نتولى الائمة، عليهم السلام، والذي تفصلنا عنهم مدة زمنية كبيرة، لكن يجب ان ننظر مَن يقودنا اليوم، لذلك تجد البعض يقبل بولاية الائمة عليهم السلام، ولا يقبل بما يرتبط بحياته في زمنه الذي يعيش فيه.
الكلمات التي وردت في ولاية الفقهاء اكثر وضوحا وبلاغة، طبعا الولاية درجات، فولاية الله غير ولاية النبي، وولاية النبي، وولاية الائمة تختلف عن درجة ولاية العلماء.
المؤمنون فيما متماسكون والسبب يعود لاربعة أمور:
- التواصي.
- التشاور.
- التعاون.
- الاحسان.
هذه الامور تشدّ المؤمنين الى بعضهم البعض، وتجعل منهم كالجبل الراسخ، وفي ظل هذه الولاية (القوة الايمانية) يجب ان تكون مؤسسات، وهذه المؤسسة هي صورة مصغرة للأمة، فقد يكون عدد افراد هذه المؤسسة عشرة او عشرين، ولا يهم العدد، لكنهم يمثلون صورة الولاية الالهية، هذه الامة الصغيرة فيها نفس مواصفات الامة الكبيرة؛ يتواصون، يتشاورون، يتعاونون، ويحسن بعضهم الى الآخر، وهؤلاء ـ بهذه الصفات ـ يشكّلون أمة، فليس من الضروري ان يكون تعداد بالملايين، وقد يكون شخصا واحد كأمة، كما كان نبي الله ابراهيم عليه السلام: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً}.
ولاية الامة الواحدة هذه القوة الرصينة فيها صفتان أساسيتان:
الصفة الاولى: الرصانة والقوة.
الصفة الثانية: الحركية والنهضة {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ} يصفهم بالمؤمنين حينما يقاتلون في سبيله وهم كالبنيان المرصوص.
ما هي صفات التجمع الرسالي الناهض؟
التجمع الرسالي تجمع ناهض وليس كتجمع القبور وكما يقال: جيران لا يتزاورون، وليس الاجتماع على المصالح لان ذلك ليس من الاسلام في شيء، الامة الاسلامية هي التي تقاتل في سبيل الله كالبنيان المرصوص.
والقرآن الكريم عندما يحدثنا عن التفقه في الدِين يقول: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} فليس كل المؤمنين يخرجون للجهاد، وهذه الفئة التي في نفس الوقت التي تحمل السلاح، تحمل القلم، وكما أنهم يتمتعون بروح التضحية، فهم يحملون روح التعلّم، فهو لا يتفقه فقط، بل حين عودته يبلّغ الفقه الذي تعلمه.
البعض يفهم الامر بالمعروف والنهي عن المنكر والتواصي والترابط، يفهم انه الصلاة واداء بعض الاعمال العبادية فقط، بل هو أعمق من ذلك، فمثلا التواصي بالحق والتواصي بالصبر، لابد بكل الحق وبكل الصبر.
التجمع الرسالي تجمع ناهض وليس كتجمع القبور وكما يقال: جيران لا يتزاورون، وليس الاجتماع على المصالح لان ذلك ليس من الاسلام في شيء
نحن البشر نعاني من النقص، وليس هذا النقص من الله جل جلاله، لكنه جعل لنا فرصا لنتكامل أكثر وأكثر، وهذه الفرص لكل أحد، وكل واحد منّا يكمّل الآخر، النواقص النفسية والروحية والاخلاقية يكمّلها المؤمنون فيما بينهم بالتواصي، وسيرة النبي وأهل بيته كانت قائمة على التواصي على البر والتقوى والعمل الصالح، والعلم والمعرفة.
فكم هو جميل أن يكمّل المؤمنون بعضهم البعض بالنصحية، والتواصي، وقد يتذرع البعض بعدم القيام بالتواصي بان الاخر يعرف فلماذا أقوم بالتواصي معه؟
والجواب على ذلك: صحيح أن المؤمن انه يعرف ويفهم الامور، لكنه مع ذلك بحاجة الى من يعرّفه أكثر من ذلك، فمثلا حين يصلي المؤمن فرادى، فيأتيه آخر ويدعوه لاقامة صلاة الجماعة، ففي هذه الحالة حفزّه وأعطاه دفعة إيمانية جديدة.
الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس لان الطرف الاخر يعرف او لا يعرف، وإنما هو لايجاد الحافز الاساسي للعمل، بالاضافة الى ان الانسان في كثير من الاحيان لديه نقاط ضعف لا يعرفها وهنا تكمن أهمية الآخر في تنبيه اليها، وهذا الامر يتعين وجوده بشكل كبير في التجمعات الايمانية الصغيرة، مثلا الطلاب في الجامعة، او في الحوزة العلمية، او مجموعة مع بعض في المنطقة، هؤلاء لابد ان يستنهضوا بعضهم البعض بالتواصي بالرحمة والحق؛ هذه الحالة عندما يتم ايجادها بين هؤلاء، سيكونون اشداء، علماء، حلماء، وفي قمة الكمال.
وكمثال على ذلك؛ حبيب بن مظاهر الاسدي في ذلك العمر في معركة عاشوراء، هل تكوّنت شخصيته خلال هذه المدة الوجيزة، ام ان تلك الروحية بُنيت في فترة طويلة؟
لاشك ان شخصيته تكاملت مع الزمن، فهو كان من اصحاب امير المؤمنين، عليه السلام، وشيئا فشيئا تكامل الى ان اصبح في يوم عاشوراء شيخ الانصار، وشخصيته ارتقت عبر تربية امير المؤمنين، ثم الامام الحسن، واخيرا مع الامام الحسين عليهم السلام.
تصور لو كان في الامة الاسلامية تجمعات إيمانية قويّة لقامت بالتحدي، لان تلك التجمعات يتملكون البصيرة، وعقولهم كاملة، وروحيتهم عالية، وكل ذلك بتوفيق الله، ومن ثم التواصي الدائم فيما بينهم.
{وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} الرسول شاهد (قائد) علينا، وحين نقتبس النبي، صلى الله عليه وآله، روح الشهادة، نكون حينها شهداء (قادة) على الناس.
وبناء على ذلك لو تصورنا تكوّن تجمعات ايمانية في المجتمع الاسلامي، فئات مؤمنة، يمتلكون تلك الصفات، فإن هذا المجتمع يكون قويا، لان إطارهم العام هو الولاية لاولياء الله، بالاضافة الى ذلك وجود التجمعات الايمانية، يعطي الامة قوة كبيرة يمكن من خلال ذلك مواجهة أكبر التحديات.
________
مقتبس من محاضرة لسماحة المرجع الديني السيد محمد تقي المدرسي دام ظله
