الشعب العراقي مقبل على انتخابات برلمانية جديدة يوم 11-11-2025، وسط أجواء سلبية لا تقل سوءاً عما كان عليه الحال في الدورة الماضية التي جرت في ظل الاحتجاجات الشبابية فيما بات يُسمى بـ”حركة تشرين”، وربما هو التقدير لهذا الشعب ان يعيش التوتر والاضطراب طوال حياته، وفي جميع مفاصل حياته، بدءاً؛ من معيشته اليومية، ومروراً بعلاقته مع دوائر الدولة، وحتى فيما يتعلق بمشاركته الموعودة في صنع القرار وتشكيل المؤسسات الدستورية في “الدولة الديمقراطية”.
ورغم أن حكومة السيد محمد شياع السوداني اتسمت خلال السنوات الثلاث الماضية بالاستقامة –الى حدٍ ما- في طريق التنمية والبناء والمشاريع الخدمية، وتحقيق بعض نسب النجاح بإقرار المتابعين من الشريحة المثقفة والسياسية الى جانب طائفة من الجماهير العراقية، بيد أن قرب موعد الانتخابات ألقى بظلاله الكثيفة على كل ما أنجزه السوداني، وصار كل شيء يُنسب الى الحملات الدعائية للانتخابات القادمة، بمن فيهم رئيس الوزراء نفسه الذي أعلن تشكيل ائتلاف جديد يضم 54 نائباً حالياً في البرلمان، الى جانب قوى سياسية صاعدة في مجالس المحافظات مثل؛ كربلاء المقدسة، و واسط، والبصرة، أطلق عليه: اسم “الإعمار والتنمية”.
التنافس على دخول مجلس النواب، أمرٌ مشروع ومتداول في جميع بلدان العالم التي تتبنى النظام البرلماني نمطاً للحكم، ولكن ما يريده الناس التنافس الشريف نحو تقديم خدمات أفضل، وقوانين وتشريعات تخدم حاضر الشعب ومستقبله، وتصون حقوقه، وتحفظ مصالحه في مواجهة سباق عالمي محموم على موطئ قدم اقتصادي في هذا البلد.
نحن نفترض فقط، وهذا أبسط حقوقنا من المرشحين للانتخابات، والطامحين لأن يكونوا نواباً عن جماهيرهم، ثم نتسائل؛ ألا يفترض تعبئة الناس للخروج في اليوم الحادي عشر من شهر تشرين الثاني القادم، من بيوتهم من الصباح الباكر والتوجه الى صناديق الاقتراع لانتخاب من يروه الأصلح؟ أليس من مسؤولية المرشح؛ الحديث للناس عن آثار المشاركة في الانتخابات على عملية الإصلاح، ثم التنمية والتطوير، وتغيير الواقع الاقتصادي والسياسي قدر الإمكان؟
ربما يعتقد البعض أن سلاح التسقيط والتخوين لإقصاء الخصم عن الساحة يجدي في كسب ثقة وتأييد الجماهير ببديل نزيه وكفوء أفضل من غيره، بيد أن ثقافة الناس ونسبة وعيهم المتصاعدة، تعد هذا التصور من أوهام الماضي المستندة الى الثقافة الصنمية
حسب المفوضية العليا المستقلة للانتخابات فإن حوالي 28مليون عراقي يحق له المشاركة في الدورة القادمة من الانتخابات البرلمانية، بالمقابل يوجد 7900 مرشح يتطلع للفوز بمقعد في مجلس النواب من مجموع عدد المقاعد وهي 329 مقعداً، وهذا الرقم العالي من المقترعين والمرشحين يفترض ان يدفع الكيانات السياسية والمرشحين عنهم، بمن فيهم المستقلين، لتعزيز جهودهم بمدّ المزيد من جسور العلاقة، وإحياء الثقة المفقودة مع المواطن العراقي، ففي الانتخابات الماضية المتمخضة من “أحداث تشرين”، والتي كانت تعد من أهم مطالب المحتجين، شارك نحو تسعة ملايين ناخب فقط من مجموع 25مليون مواطن يحق له الاقتراع وفق بيان المفوضية، بما يشير الى ضآلة النسبة رغم أن المتوقع؛ مشاركة كبيرة لأن الانتخابات جاءت تلبية لمطالب المحتجين في سوح الاعتصامات في بغداد والمحافظات الجنوبية.
أما اليوم، فبدلاً من العمل على عدم تكرار التجربة الماضية، يلاحظ الناس التسابق على التسقيط والتخوين بين الكيانات السياسية الماسكة لمقدرات البلد، فمن إثارة ملف الحشد الشعبي، وقضية حصر السلاح بيد الدولة، ثم إثارة ملف الفشل في محافظات متحالفة مع رئيس الحكومة، مثل؛ الكوت والبصرة، ثم إثارة ملف خور عبدالله، وحتى الخبر المفبرك والمثير بتعرض أكداس من العملة النقدية العراقية الى التلف من قبل فئران!! وغيرها كثير، كلها تضع المواطن في دوامة عدم الثقة، ليس بالسياسيين انفسهم وحسب، وإنما بالعملية الديمقراطية برمتها، عندما يرون الفاصلة الشاسعة بين مستوى فهم وتفكير “المسؤول”، وما يعيشونه من أزمات وهموم، فما الجدوى من مشاركته اذا كانت الكيانات السياسية الكبرى ضامنة لوجودها في السلطة مع تغيير وجوه المرشحين والنواب الجدد في البرلمان؟
ربما يعتقد البعض أن سلاح التسقيط والتخوين لإقصاء الخصم عن الساحة يجدي في كسب ثقة وتأييد الجماهير ببديل نزيه وكفوء أفضل من غيره، بيد أن ثقافة الناس ونسبة وعيهم المتصاعدة، تعد هذا التصور من أوهام الماضي المستندة الى الثقافة الصنمية، والتغرير بالاموال، فاليوم ليس قبل خمسة عشر سنة، يحتاج المواطن العراقي الى حفنة من الأموال ليغطي حاجاته، فقد تنوعت مصادر الدخل، و راجت الاعمال التجارية والوظيفية، الى جانب الدخول الواسع للمرأة في سوق العمل، جعل شريحة واسعة من العراقيين غير محتاجين الى بعض الأوراق النقدية لبيع صوتهم وولائهم لهذا المرشح او ذاك، سوى بعض الافراد من الشرائح المُعدمة.
التنافس على دخول مجلس النواب، أمرٌ مشروع ومتداول في جميع بلدان العالم التي تتبنى النظام البرلماني نمطاً للحكم، ولكن ما يريده الناس التنافس الشريف نحو تقديم خدمات أفضل، وقوانين وتشريعات تخدم حاضر الشعب ومستقبله، وتصون حقوقه
للأسف الشديد، لم يخرج مرشح واحد من مئات المرشحين، ولا أحد الوجوه البارزة في “العملية السياسية” يتحدث عن قضايا استراتيجية تهم حياة المواطن، مثل؛ دعم المشاريع الإنتاجية الصغيرة، أو إيفاد الطلاب الماهرين لاكتساب الخبرات والتجارب من البلاد المتقدمة، او طرح أفكار واقعية لحل مشكلة الطاقة وأن يكون انتاج الكهرباء عراقياً بنسبة كبيرة، الى جانب مشاريع اقتصادية، ومسائل خلافية مع دول الجوار، وعلاقات متوازنة مع دول العالم.
على المرشحين للانتخابات القادمة مسؤولية تاريخية وأخلاقية، وأيضاً؛ مهنية بأن يتحملوا مسؤولية الارتقاء بمستوى ثقة الناس بأشياء مثل؛ الدولة، والسيادة، والحكومة، والقضاء، والأمن، وإلا فإن دخول هذا المرشح او غيره الى البرلمان بعد الانتخابات القادمة سيكون مجرداً من الروح الديمقراطية، وربما يخلق أجواء من الاضطراب والتمرّد وعدم الانسجام بين قرارات الدولة والتطبيقات العملية في الشارع العراق، ومن ثمّ تفقد العملية السياسية مصداقيتها بالكامل.
