ثقافة رسالية

نهج البلاغة والحياة (71) هل يجب أن يكون الانسان ناجحا دائما؟

قال أمير المؤمنين، عليه السلام: “إذا لم يكن ما تريد فلا تبل كيف كنت”. (نهج البلاغة، الحكمة: 69.)

ربما يقصد أمير المؤمنين في هذه الكلمة أن لا يمتلكنا اليأس إذا لم تتحقق آمالنا ولكي نفهم هذه الكلمة وامتداداتها فإن لنا حديث حول الامل، والفشل، والتشاؤم.

الناس ـ عادة ـ على أنواع:

الأول: منهم من لا يطمح في شيء، طموحه لا يتجاوز حدود حاجاته الشخصية؛ يبحث عن ملابس لنفسه، وعن غرفة يعيش ويموت فيها، وعن عمل يدر عليه حاجة بطنه وفرجه، أما خلاف ذلك فلا يطمح في شيء، فالطموح عنده ميت، والآمال مخيّبة.

النوع الثاني: أولئك يطمحون لكنهم امام الفشل يتشاءمون، أي لا يفهمون سيكولوجية الفشل واسبابه، ودوافعه، وما يعاني الناس منه خلال فترة الحياة.

النوع الثالث: أولئك الذين يأملون ولكن أملهم خيال

يسبح في بحر من الخيال؛ يتخيل انه صعد المريخ، ويصبح ملكا بلا تعب، يعيش أحلام اليقظة دائما.

هذه الأنواع الثلاثة كلهم يفشلون في حياتهم.

النوع الرابع: الذين يطمحون ودائما طموحهم متجددا كلما انجزوا شيئا، فلا يحاول مرة او مرتين فقط، فكلما حقق هدفا يسعى الى الهدف الآخر، الى ان يحقق في هذه الحياة آملا كبيرة، وينجز أشياءَ عظيمة.

الاماني الكاذبة هي الاماني التي عن طريقها يمتنع الانسان عن تحقيق شيء الآن

لابد أن نعرف أهمية الطموح، ربما في روايات أهل البيت، عليهم السلام، لا تعبير بلفظ (الطموح)، لكن هناك كلمة (الامل)، وكلمة (علو الهمة)، “المرء يطير بهمته كما يطير الطائر بجناحيه”.

أهمية الطموح في الحياة ان الانسان الذي لا يطمح في الخطوة الأولى يكون قد حَكَمَ على نفسه بالموت، فإذا لم يحتج أحد الى شيء لا يبحث عنه، وبمجرد ان يفقد الانسان الطموح فإنه أراد الفشل، وكما يقول علماء النفس: كما أن للنجاح إرادة، للفشل إرادة أيضا.

وأبرز مثال للفاشلين أولئك الذين لم يخططوا لأنفسهم أهدافا في الحياة، يَهيم على وجه، الشارع السياسي والمناخ الاجتماعي هما اللذان يصنعان منه لا يريد ولا يرغب، قد يحدث شيئا في هذه الحياة بالصدفة، لكن قلّما نجح إنسان بالصدفة وهو لا يريد النجاح!

ثمة آيات وروايات كثُر تحاول ان تزرع في الانسان طموحا كبيرا يصل به مستويات عالية، فأصحاب الأنبياء والرسل نموذج على ذلك، وما دام ان الله خَلَقَ الانسان فهو أراد ان يكون شيئا مذكورا في هذه الحياة.

والقرآن الكريم يخاطب الانسان ليجعل منه شيئا عظيما، ويتبين من ذلك ان الله يريد لكل فرد منا ان يحقق شيئا عظيما في هذه الحياة، وعبر الانسان تتحقق أمورا عظيمة يريدها الله.

نقرأ في الدعاء: “اللهم رب العالمين اسألك من الآمال اوفقها”، فالأمل في صناعة شيء هو الوقود الاولي للإنجاز، ومشكلة الامل الحقيقي أنه ربما يمتزج مع الامل الكاذب، فالأول هو ان تقصد شيئا قابلا للإنجاز، فأنت تريد ان تكون قائدا في الامة فذلك ممكن لان غيرك صنعه، فأناس عاديين استطاعوا ان يحرروا اممهم، وتميز الآخر ليس لأنه يمتلك أربع عيون وثمانِ آذان..، بل ربما ان كفاءة ذلك الشخص بالقياس الى عمرنا أقل مما نتملك نحن. هذا هو الامل المبني على الحقائق وأصول العلم.

إذا حقق الانسان أهدافه في الحياة فخير على خير، وإذا لم يتمكن من ذلك لا يجوز ان يمتلكه شعور بالحقارة والضعة، على المرء ان يسعى بمقدار جهده، وليس عليه ان يكون موفقا

وهناك امل آخر هو الامل الباطل، وهي أحلام اليقظة، قال رسول الله، صلى الله عليه وآله: “الامل رحمة لأمتي ولولا الامل لما ارضعت والدة والدها ولا غرس غارس شجرة”.

حينما كان الأمل، كان الإسلام على مشارف فينا، واستطاعوا ان يهدوا الأمم الأوروبية التي كانت تعيش في الوحل حينها، واسسوا جذور العلوم والمدَنية الحديثة، كل ذلك حينما كان المسلمون يمتلكون الاملَ والهمة.

الاماني الكاذبة هي الاماني التي عن طريقها يمتنع الانسان عن تحقيق شيء الآن، وكما يقال: لا تؤخر عمل اليوم الى غد، لأن من يؤخر عمله الى غده يخسر يومه الذي هو فيه، ثم انه لا ثقة بأن يمتلك الانسان الغد الذي يؤمل ان يعمل فيه!

معرفة الفشل

  إن للفشل أسبابا ليست غيبية وخارجة عن إرادة الانسان، فالله لم يخلق أناسا نجاحين دائما، وآخرين فاشلين دوما، والبعض حين يفشل يعتقد انه من أولئك الذين ضُربت عليهم الذلة، ويسوق لذلك أن إرادة الله فوق ارادته ولا يمكن تجاوزها، حينها لن يصنع شيئا، ولا يأمل بذلك.

من الخطأ ان يتم اعتبار الفشل قدرا بأي نوع من أنواعه، سواء كان فشلا فرديا ام جماعيا، بل للفشل أسباب، فمنها عدم وجود وسائل، لكي تصل الى مكان انت بحاجة الى وسيلة فإذا لم تتوفر فلن تصل، فلماذا نتهم الغيب بذلك؟ ولماذا نعد الله مسؤولا عن كل سقطة من سقطاتنا الفردية او الاجتماعية. كما نفكر في الهدف لابد ان نفكر في الوسيلة وإلا فإن الامل يكون باطلا.

أسباب الفشل:

أولا: عدم وجود الوسائل من أسباب الفشل، سواء في مجالات حضارية، اقتصادية، اجتماعية، وكما يفكر الانسان في الهدف، لابد ان يفكر في الوسيلة، وإلا فإن الامل سيكون باطلا، فمن يريد الحصول على مبلغ من المال، فلن يحصل عليه بالتمني، بل لابد من وسيلة توصل الى الثروة، فالذي أصبح ثريا لم يكن أفضل من غيره.

ذلك في المجال المادي، الامر نفسه في الجانب المعنوي، فمن يريد ان يكون عالما لابد ان يدرس، ويقرأ الكتب، ويستخدم حواسه في خدمة ذلك، أما ان يعطل الانسان الوسائلَ التي زوده الله بها، ثم يروم الوصول الى مقام معين فلن يصل.

ثانيا: قصور الهمّة وهو عدم وجود الطموح وحين لا يمتلك الانسان هذه الامر لا ينجح.

ثالثا: وجود الموانع: الله تعالى زوّد الانسان خصوصا في فترة الشباب بالطموح، فما من شاب إلا ويتمتع بأحلام عالية وطموحات ضخمة ويرغب ان يكون شيئا عظيما في أمته. لكن أمام اول مانع يصاب بخيبة امل ويظن ان غيره لم يمر بالموانع، فلا يوجد شعب لا يرغب بالحرية والاستقلال، لكن مشكلة بعض الشعوب حينما تبدأ مسيرة الكرامة والعزة تصاب بموانع فتظن ان غيرها من الشعوب لم يواجه مشاكل، فتجد ذلك مبررا لعدم اكمال المسير، وان الفشل حينئذ قدرا.

التشاؤم

إذا حقق الانسان أهدافه في الحياة فخير على خير، وإذا لم يتمكن من ذلك لا يجوز ان يمتلكه شعور بالحقارة والضعة، على المرء ان يسعى بمقدار جهده، وليس عليه ان يكون موفقا، حتى لو كان واثقا مئة بالمئة ان سعيه لن يجلب يتحقق فأيضا عليه ان يسعى، (قل كلمتك وامشِ).

لنفترض ان حامل مسؤولية في المجتمع أصيب باليأس من الناس، فهل يسكت؟

المنطق القرآني يقول: ادع حتى لو لم تجد آذانا صاغية الآن، فإبراهيم الخليل حينما امره الله ببناء البيت: ادعُ الناس الى بيتي. فقال إبراهيم: مَن ادعو؟

أوحى الله اليه: عليك النداء وعلينا التبليغ. {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} فصعد إبراهيم على تل ودعا الناس ولا يوجد أحد مستمع، لكننا اليوم نرى كيف ان ذلك النداء يلامس شغاف قلوب المؤمنين على مر التاريخ. فالكعبة لم يتوقف الطواف حولها ولا لحظة منذ ان كتب التاريخ هذا الامر.

 من الخطأ ان يعتبر الانسان نفسه فاشلا وهو لم يبذل جهدا معينا، بل على الفرد أن يقدم على ان يعمل شيئا، سواء كان عمل خير، او بذل مجهود معين، فكم من كًتبٍ بقيت مجهولة ولم يتلفت إليها أحد إلا بعد قرن او قرنين، وكم من كلمات هداية لم يستفد منها المعاصرون لها، واستفاد منها الأجيال الأخرى.

إن للفشل أسبابا ليست غيبية وخارجة عن إرادة الانسان، فالله لم يخلق أناسا نجاحين دائما، وآخرين فاشلين دوما، والبعض حين يفشل يعتقد انه من أولئك الذين ضُربت عليهم الذلة

لابد ان نعرف ان النجاح يصاحبه الغرور، والفشل يصاحبه التشاؤم، ولكن كلاهما غير صحيحين، فلا يظن الانسان إذا نجح مرة سينجح دائما ويأخذه الغرور، ويعد ان النجاح يأتي بلا جهد، وابسط مثال على ذلك قد يدخل شاب الى المدرسة ولا يبذل جهدا وينجح، ويظن ان ذلك باقٍ معه للسنوات القادمة وهذا تصور خاطئ.

الفشل يجب ان يكون داعيا للاستمرار لا مانعا من العمل، لا وسيلة للتوقف، فمن الخطأ الكبير ان يعد الانسان النجاح والفشل قدرا من الاقدار، لان الله تعالى يقول: {وَقُلْ اعْمَلُوا}. {وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى}. في هذا الكون لا تضيع كلمة حق، ولا يضيع حركة يد، هكذا خلق الله الكون، وهكذا أراد.

الموقف الصحيح ان نطمح وان يكون قائما على امل حق، لا على الاحلام، وان نحاول تجاوز العقبات والموانع، ولا نهتم إذا فشلنا، لان صفحات الناجحين تمتلئ بكثيرة من الفشل.

___________

(مقتبس من محاضرة لآية الله السيد هادي المدرّسي حفظه الله).

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا