الأخبار

التحول الرقمي في العراق: تغيير جذري في علاقة المواطن بالمؤسسات الحكومية

الهدى – متابعات ..

لم تعد عبارة “راجعنا يوم غد” هي الجملة الأكثر ترداداً في الردهات الحكومية العراقية، فخلف الشاشات وتطبيقات الهواتف الذكية تجري عملية إعادة صياغة جذرية للعلاقة بين المواطن والدولة، حيث يشهد العراق اليوم تحولاً رقمياً ملموساً انتقل من مرحلة التخطيط إلى التنفيذ الواقعي، مدعوماً بإحصاءات رسمية تعكس قفزة هائلة في مؤشرات الاستخدام والاعتماد التقني، مما يؤسس لمرحلة جديدة من الحوكمة الشفافة.

وتظهر البيانات الصادرة عن وزارة الاتصالات العراقية، والمستندة إلى مؤشرات الاتحاد الدولي للاتصالات، تحولاً دراماتيكياً في المشهد الرقمي، فقد ارتفعت نسبة مستخدمي الإنترنت في البلاد من قرابة أربعة وأربعين بالمئة عام ألفين وتسعة عشر لتصل إلى نحو ثلاثة وثمانين بالمئة بنهاية عام ألفين وأربعة وعشرين، وهو ما يعكس توسع البنية التحتية وتزايد قدرة المواطنين على الوصول للخدمات، بالتوازي مع اعتماد أكثر من ثمانمئة وتسع وخمسين جهة حكومية لمنظومة الإدارة الإلكترونية التي شهدت تبادل ملايين الوثائق الرقمية بعيداً عن الروتين الورقي التقليدي.

وفي سياق متصل، حقق العراق تقدماً في مؤشر تنمية الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات العالمي، بينما وصلت البطاقة الوطنية الموحدة إلى أكثر من تسعين بالمئة من السكان، وهو ما عده مختصون تحولاً حقيقياً في سلوك المجتمع نحو الخدمات الرقمية، حيث أصبح الإنترنت جزءاً أساسياً من التعليم والعمل والتواصل المؤسساتي، مما يساهم في إعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات الحكومية وتقليل الاحتكاك المباشر مع البيروقراطية.

ويرى الدكتور خالد العرداوي، في حديثه لـه، أن هذا المسار يهدف بالأساس إلى خلق تجربة مرنة وشفافة للمواطن، مبيناً أن خدمات مثل الغرامات المرورية والضرائب وجوازات السفر لم تعد مجرد إجراءات روتينية، بل أصبحت أدوات لتعزيز المشاركة الاجتماعية والشعور بالانتماء، مشدداً في الوقت ذاته على أن استمرار هذه الثقة مرتبط بجودة الخدمة والسرعة في الاستجابة للاحتياجات بعيداً عن التسويف الذي قد يولد إحباطاً شعبياً.

من جانبه، يشير الدكتور صفد الشمري، رئيس مؤسسة بغداد للتواصل والإعلام الرقمي، إلى أن التجربة العراقية اتسمت بعدم فرض الرقمنة قسراً بل قدمت كحل عملي لمشكلات يومية، مما ساهم في كسر الحاجز النفسي لدى المواطن الذي بدأ يتعامل مع التكنولوجيا كأداة مساعدة لا كبديل إجباري، معتبراً أن النجاح الحقيقي يبدأ بتغيير العادات الاجتماعية قبل تغيير الأنظمة التقنية الصرفة.

ورغم هذه النجاحات، لا يزال الطريق يواجه تحديات تتعلق بجودة تصميم المنصات وغياب تجربة الاستخدام السلسة التي قد تشعر المواطن بأن التقنية وجدت لخدمة الإدارة لا لخدمته، بالإضافة إلى ضعف الخطاب الإعلامي الذي يركز على الإنجاز الحكومي دون توضيح الفوائد المباشرة للفرد، فضلاً عن التحدي الأكبر المتمثل في ضرورة إيجاد إطار قانوني وأمن سيبراني فاعل يحمي البيانات ويمنح المستخدم الضمانات التقنية اللازمة للتعامل مع المنصات بكل ثقة.

وتتجلى ثمار هذا التحول في شهادات المواطنين، حيث تؤكد السيدة صفا نعمة، أن الرقمنة وفرت عليها وقتاً وجهداً كبيرين، مستشهدة بتجربتها في إتمام إجراءات عقد الزواج والاستعلام عن المعاملات القانونية إلكترونياً، وهي خطوات كانت في السابق تتسم بالتعقيد والإرهاق، لكنها اليوم تمنح المواطن شعوراً بالشفافية والوضوح، وتجعل من التحول الرقمي تجربة عملية ملموسة تعيد صياغة مفهوم الخدمة العامة في العراق.

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا