الهدى – متابعات ..
لم يعد درس التربية الرياضية في الكثير من المؤسسات التعليمية العراقية سوى “حصة فائضة” أو وقت مستقطع يُمنح للمواد العلمية عند ضغط الجداول الدراسية.
وهذا التهميش الممنهج لمادة لا تدخل ضمن معايير النجاح والرسوب، بدأ يلقي بظلال ثقيلة على لياقة الطلبة وصحتهم النفسية، محولاً المدارس إلى بيئات تفتقر للتفريغ الحركي وتكتفي بالتلقين الذهني، مما يثير تساؤلات حول جدوى النظام التربوي في بناء شخصية الطالب المتوازنة.
مساحة للإبداع أم مجرد وقت فراغ؟
وتؤكد الست هبة حسين، مدرسة تربية رياضية في بغداد، أن هذا الدرس يمثل مساحة أساسية لبناء الثقة واكتشاف المواهب، لكنها تشير بأسف إلى أن “النظرة النمطية” تجعل إلغاءه أمراً سهلاً أمام الإدارات.
وتضيف حسين: “إن غياب الفرق المدرسية الفاعلة أدى إلى ضياع فرص اكتشاف النجوم في سن مبكرة، حيث بات الاعتماد كلياً على مبادرات فردية أو اللعب في الشوارع، بدلاً من أن تكون المدرسة هي الحاضنة الأولى للمواهب البدنية”.
هشاشة الوضع التربوي ونقص البنى التحتية
ومن منظور أكاديمي، ترى الباحثة الاجتماعية إسراء نجم الجحيمي، أن واقع التربية الرياضية يكشف عن “قضية مهمشة” رغم أبعادها الصحية والاجتماعية.
وتوضح أن لجوء الإدارات لاستغلال حصص الرياضة لتعويض النقص في المواد الأكاديمية أو بسبب العطل المتكررة، يعكس ضعفاً في الوعي التربوي والصحي.
وتلفت الجحيمي، إلى عائق آخر يتمثل في “تآكل البنية التحتية”، حيث تعاني معظم المدارس من غياب الملاعب الصالحة أو التجهيزات الأساسية، فضلاً عن تهميش الكادر المتخصص وتكليفه بمهام إدارية خارج نطاق تخصصه، مما أدى لنتائج كارثية منها ارتفاع معدلات السمنة بين الطلبة وزيادة الارتباط المفرط بالأجهزة الذكية.
التداعيات النفسية
والجانب النفسي لا يقل خطورة؛ إذ تبيّن الباحثة النفسية بلقيس الزاملي أن حرمان الطالب من النشاط البدني، خاصة في مرحلة المراهقة، يؤدي إلى ارتفاع مستويات التوتر والقلق وفقدان القدرة على التفريغ الانفعالي.
وتؤكد الزاملي أن هذا الحرمان قد يترجم سلوكياً على شكل “عصبية، انسحاب اجتماعي، أو عدوانية تجاه الزملاء”.
وتضيف الزاملي: “الرياضة ليست مجرد عضلات، بل هي مختبر لتعليم قيم التعاون واحترام القواعد وتقبل الخسارة”، لافتة الى ان “الاعتماد على النوادي الخارجية ليس حلاً، لأنها لا توفر العدالة الاجتماعية والمادية التي توفرها المدرسة لكل الطلبة دون تمييز”.
وتحويل درس الرياضة إلى مادة ثانوية ليس مجرد إجراء إداري، بل هو تفريط بجيل كامل من الناحية الصحية والنفسية.
ويبدو أن الحل يبدأ من إعادة الاعتبار لهذا الدرس في المنهج الرسمي، وتوفير البيئة التحتية اللازمة، ليتحول من “فترة استراحة” إلى ركيزة أساسية في بناء الإنسان.
