الهدى – متابعات ..
لم تعد منصات التخرج في الجامعات العراقية مجرد فضاء لإعلان انتهاء الرحلة الأكاديمية، بل تحولت في الآونة الأخيرة إلى ساحات عروض صاخبة تثير جدلاً واسعاً في الأوساط الثقافية والتعليمية.
فبين رقص جماعي “ترندي” وأزياء تنكرية وموسيقى لا تتناسب مع حرمة العلم، يبرز السؤال الجوهري: هل ما نشهده هو انفجار لفرحة مشروعة، أم هو تعبير عن فراغ قيمي انزلق بالمناسبة إلى ما يصفه البعض بـ “المهزلة”؟
حلبة استعراضية
ويروي مرتضى مظاهر، طالب ماجستير في كلية الآداب، تجربته بمرارة واصفاً لحظة تحول منصة التخرج إلى ما يشبه الحلبة الاستعراضية، حيث اختزلت سنوات الجهد الدراسي في حركات رقص وصور تلتقط للسباق الرقمي على منصات التواصل.
يقول مظاهر: “شعرت بالحرج الشديد أمام أولياء الأمور؛ فالمشهد لم يكن يعبر عن طلاب جادين، بل عن استعراض يضع المؤسسة التعليمية برمتها في موضع مساءلة علنية”.
وهذا “الانهيار الرمزي” يراه الصحفي حسين الجبوري، انعكاساً مباشراً لسلوك الطلاب أنفسهم وفشلهم في الحفاظ على رصانة المناسبة، معتبراً أن ترك الطالب نفسه لمزاج اللحظة بعيداً عن الانضباط الأكاديمي يعكس فراغاً ثقافياً ورغبة محمومة في “الظهور الرقمي”، مؤكداً أن المسؤولية هنا فردية قبل أن تكون مؤسسية.
قراءة نفسية واجتماعية
من زاوية أخرى، يقدم الدكتور أحمد ضياء، الناقد الأكاديمي، قراءة مغايرة تدعو لفهم السياق النفسي، متسائلاً عما إذا كان يمكن محاكمة سلوك فردي نابع من لحظة فرح استثنائية بمعايير الفعل اليومي الاعتيادي.
ويرى ضياء أن تضخيم هذه الحالات وتحويلها إلى “ترند” يعكس سلطة الشارع الرقمي التي تحاكم كل تصرف خارج معاييرها، مبيناً أن المؤسسة الأكاديمية بطبيعتها المنضبطة لا يمكنها التماهي مع هذه المشاهد، مما يدفعها لمحاولة فصل الطقوس الاحتفالية عن الفضاء الجامعي حفاظاً على رمزية الشهادة.
الموقف الرسمي: عقوبات وضوابط صارمة
أمام هذا التمدد لمظاهر “الاحتفال الصاخب”، تحركت الجهات الرسمية لإعادة الهيبة للحرم الجامعي، حيث أكد حيدر الساعدي، رئيس اللجنة الوطنية الدائمة للتوعية والإرشاد في مكتب رئيس الوزراء، أن اللجنة تعمل على تثقيف الطلبة بشأن مخاطر “الوثيقة الرقمية”؛ فالمقاطع التي توثق سلوكيات غير مقبولة قد تلاحق الطالب وظيفياً واجتماعياً لسنوات طويلة.
وفي السياق ذاته، أشار الدكتور عمار طاهر، عميد كلية الإعلام، إلى أن وزارة التعليم العالي تشدد على منع الأغاني الهابطة، ومكبرات الصوت، والحفلات التنكرية داخل الحرم الجامعي، مؤكداً أن الكليات تحتفظ بحقها في إحالة أي طالب يسيء لسمعة المؤسسة إلى لجان الانضباط، حتى وإن حدثت تلك المظاهر خارج حدودها في حال مست سمعة الجامعة.
التخرج بروتوكول رسمي لا حفلة ترفيهية
وفي حديث حسم فيه الجدل التنظيمي، أكد الدكتور حيدر العبودي، المتحدث باسم وزارة التعليم العالي، أن حفلات التخرج هي فعالية مؤسسية رسمية تخضع للائحة الأعراف والتقاليد الجامعية العراقية المقرة.
وأوضح العبودي، أن الطقوس الحقيقية تتمثل في ترديد القسم، وتلاوة قرار منح الشهادة، واستعراض الكراديس بحضور الهيئات التدريسية، مشدداً على أن أي ممارسات فردية خارج هذا الإطار لا تمثل سياسات الجامعات الرسمية، بل هي تصرفات شخصية لا ينبغي ربطها بالمسار الأكاديمي الرصين.
ويبقى التحدي الأكبر أمام الجامعات العراقية هو كيفية الموازنة بين حق الطالب في الاحتفال بنجاحه، وبين ضرورة الحفاظ على “قدسية العلم” التي لا تحتمل أن تتحول منصاتها إلى مسارح للرقص والابتذال.
