تراثنا

محمد ابن أبي بكر ربيب أمير المؤمنين، عليه السلام: الثبات والاستقامة على الحق

وُلد محمد بن عبد الله بن أبي قحافة (أبي بكر) في جوٍّ من التحوّلات السياسية التي خلفتها الدعوات الإسلامية الأولى. أمّه كانت أسماء بنت عميس، وبعد تحوّل ظروف أسرتها اتّجهت أسماء للعيش في بيت علي بن أبي طالب عليه‌السلام. لدى دخول أسماء بيت الإمام علي وترعرع ولدها هناك، أخذ الإمام علي يعامل محمد بمودّة خاصة ويحنو عليه كأنه من أهل بيته — ومن هنا أطلق عليه في المصادر لقب «ربيب الإمام علي» لكونه نشأ وتربّى في حضن أهل البيت تحت رعايته ومودّته.

نشأ محمد في وسطٍ مفعم بالتربية القرآنية والوصايا الأخلاقية، فتبلور ولاؤه لإمامته. مع تفجّر النزاع السياسي بعد مقتل عثمان، مال إلى صف الإمام علي ومثّله بيّنةً في ولائه وحرصه على الحقّ كما رآه، فقد بايعه ودافع عن موقفه العام. في مصادر التراجم يصفونه بأنّه من خواصّ الذين وقفوا مع علي وناصروا حكمه حين كان يواجه شدائد الفتنة.

يذكر التاريخ الشيعي أن محمد بن أبي بكر شارك في الميادين التي تعرّض لها الإمام علي، من أبرزها معركة الجمل ثم معركة صفين. لم يكن مجرد حضور؛ بل وردت عنه مواقف شجاعة ومساهمات قيادية في صفوف أنصار الإمام. هذا جعل مكانته تتعزّز بين أنصار علي، وأكسبه سمعة كفارس مخلص.

أدرك الإمام علي أهمية مصر وموقعها الاستراتيجي، فعهَد في مناسبة إلى من يثق بهم لإدارة شؤونها بالعدل. وتذكر المصادر الشيعية أنّ الإمام كلّف محمد بن أبي بكر بالولاية على مصر — وهو تكليف جاء مصحوباً بخطاب ونصح من الإمام يوجّه فيه سلوك الحاكم وتقوى الله والتمسّك بالعدل والوضوح في الحكم. هذه الرسائل وردت في سياق خطب ورسائل نهج البلاغة (رسائل وخطبات تتناول إدارة الولايات ونصح الولاة)، وتُذكر كإثبات لثقة علي بمحمّد ومحبّته له.

كان حكم مصر في تلك المرحلة هشّاً بسبب شدّة التنافس بين أنصار علي ومؤيّدي معاوية. محمد حاول أن يؤدي مهمته بالأسلوب الذي علّمه الإمام: عدل ونصح ورباطة جأش. لكنّ الأحداث الميدانية والسياسية تصاعدت، ومع بروز قوىٍ مواليةٍ لمعـاوية ورجالٍ لديهم نفوذ محلي، بدأ الوضع يصبح غير آمن لمن يراد بهم الإصلاح أو الإنصاف وفق نهج علي.

بعد أن ولاّه الإمام علي عليه‌السلام على مصر، كانت البلاد مضطربة بسبب الصراع بين أنصار علي وأنصار معاوية. معاوية أراد إخراج محمد من مصر لما يعرفه من إخلاصه وولائه للإمام، فأرسل عمرو بن العاص على رأس جيش بقيادة معاوية بن حديج الكندي (من أهل مصر المؤيدين لمعاوية).

بحسب رواية الشيخ المفيد في الإرشاد والمجلسي في بحار الأنوار، محمد لم يكن يملك في تلك الفترة جيشاً كبيراً يحميه، لأن معظم أنصاره كانوا قد تفرقوا بعد اشتداد الحصار.

معاوية بن حديج دخل مصر ومعه جيش، فخرج محمد لملاقاته، لكن رجاله قلّوا وانفضّوا عنه، فاضطر إلى الاحتماء في إحدى البيوت في قرية قرب الفسطاط.

الروايات تقول إن محمد قاتل حتى تعب وأُنهك، ثم احتمى في بيت رجل يُقال له كِنَانة بن بشر (من أنصاره). لكن أهل القرية تواطؤوا مع جيش معاوية وأحاطوا بالبيت.

الرواية الأقوى عند الشيعة (الإرشاد وبحار الأنوار) تقول:

دخل عليه معاوية بن حديج وأصحابه، فأخذوه أسيراً. كان في حال ضعف شديد بسبب الجوع والعطش والحصار.

في بعض المصادر الشيعية، وخاصة بحار الأنوار، أن معاوية بن حديج أمر بقتله خنقاً، حيث ألقوه أرضاً ثم جلس رجل على صدره وخنقه حتى فارق الحياة.

وفي رواية أخرى أنهم طعَنوه بالسيوف وهو مستسلم، ثم أجهزوا عليه.

الروايات المتفق عليها عند أغلب كتب الشيعة تقول إنهم وضعوا جثته في جوف حمار ميت ثم أحرقوه، وكان الهدف من هذا الفعل الشنيع إذلال أنصاره والنيل من ولائه للإمام علي.

عندما بلغ الإمام علي نبأ استشهاد محمد بن أبي بكر، خرج في رثاءٍ وحزنٍ على فقدان من كان عنده كربيبٍ وابنٍ روحياً. في نصوصٍ منسوبة لخطاب الإمام وردت عباراته في الثناء على محمد باعتباره «ولداً ناصحاً، عاملاً كادحاً، وركناً دافعاً» — تعابير تكشف عن حزن الإمام الكريم واعترافه بقيمته ومكانته. وقد نقلت تراجم الشيعة هذه العبارات وأوردتها ضمن دلائل مآثر محمد ووفائه.

محمد بن أبي بكر — الإنسان الذي تربّى في بيت علي وكان «ربيب الإمام» — عاش حياة ولاء وإخلاص: من تربيته في بيت أهل البيت، إلى موقفه الحاسم في ميدان الفتنة، إلى تكليفه بمصر، ثم إلى استشهاده نتيجةً لدوّامة الصراع السياسي بعد مقتل عثمان. المصادر الشيعية تكرّم ذكراه وتعرضه كمثال للاستماتة في الحقّ والوفاء لبيت النبوة، مع الإشارة إلى اختلاف الروايات في بعض التفاصيل العنيفة المحيطة بموته.

عن المؤلف

مجتبى الحسيني

اترك تعليقا