طالما دعتنا روايات أهل بيت رسول الله، صلوات الله عليهم اجمعين، على الجمّل والتطيّب خلال التواجد بين الأصدقاء والاقرباء وافراد المجتمع في كل مكان.
الحكمة والعبرة في هذا الاهتمام الرائع ضمن منظومتنا الثقافية من شأنه إحكام الربط بين موضوعة الصحة الخاصة بشخص الفرد، وموضوعة الذوق والآداب العامة المتعلقة بالعلاقات الاجتماعية وأهمية توطيدها، وجعلها حيوية وطرية على طول الخط.
من هذا نقرأ في الروايات عن رسول الله، صلى الله عليه وآله، حرصه على النظر في المرآة كثيراً لتسوية ظاهره و إزالة ما فيه من حالة غير صحيحة في العمامة أو شعر الرأس، او قرص الوجه، وهذا مصداق لما مرّ من الحكمة والعبرة في الاهتمام بما يخصّ الفرد ذاته، وما يخص المحيط الاجتماعي.
وفي كتابه القيّم؛ “مكارم الاخلاق” يذكر الشيخ الطبرسي رواية عن عائشة أنها “رأت رسول الله ذات مرة ينظر في ركوة –إناء صغير من جلد- فيها ماء في حجرتها ويسوّي فيها جمّته –مجتمع شعر الرأس-، وهو يخرج الى أصحابه، فقالت: بأبي أنت وأمي تتمرأ في الركوة، وتسوي جمتك وأنت النبي وخير خلقه؟ فقال: إن الله يحب من عبده اذا خرج الى إخوانه أن يتهيأ لهم ويتجمّل”.
من فوائد المرآة أنها تكشف لصاحبه ما علق به، وتحديداً بوجهه من شوائب او شيء غير طبيعي فيزيله، فهو أدنى الى الكرامة والعزّة خلال اللقاء بأفراد المجتمع، بدءاً من الجيران عند باب الدار، و مروراً بزملاء العمل، وأي فرد في الشارع والسوق، وبخلاف هذا يكون الانطباع العام بالإهمال؛ ليس لشخصه كفرد، وإنما للآخرين ايضاً؛ وهذا أمر غاية في الأهمية، إذ يفهم الناس أنه غير مبالٍ برأيهم وموقفهم مما خرج به عليهم، كأن يكون شعره كثّاً وفوضوياً غير مسرّح، او في وجهه مسحة سواد غريبة، او أي شيء آخر مغاير للجمال والبهاء.
البعض يرى أن المهم الباطن وليس الظاهر، ولذا يتوهم الكثير أن معظم من يكون أداة شغلهم الذهن والتفكير، مثل الأدباء والعلماء والرسامين والخطاطين، غير مكترثين لمنظر وجههم، وشعرهم، وحتى ملابسهم، وهذا مجانب للعقل والمنطق الاجتماعي الذي يدعونا اليه رسول الله، والأئمة المعصومين من خلال المنظومة الأخلاقية والآدابية التي بين أيدينا، بل يفترض أن يكون الطبيب، والمحامي، واستاذ الجامعة، والشاعر، وحتى علماء الدين، أكثر من غيرهم، بل يكونوا قدوة للآخرين في قوامة الهندام والمنظر الجميل، لأنهم يصنعون الثقافة والسلوك والوعي لعامة المجتمع.
ولكن! ينبغي ان تكون عندنا مرآة أخرى الى جانب المرآة المنصوبة في الجدران، وهي المرآة تلك المنصوبة في القلوب، والمختصة بإظهار العيوب النفسية والسلوكية، وهو ما أكد عليه رسول الله في حديثه المشهور: “المؤمن مرآة أخيه المؤمن”، فكما أن المرآة المصنوعة من الزجاج تكشف لصاحبها ما فيه من عيوب في وجهه وملابسه وبدنه، فإن مرآة القلب المصنوعة من الإيمان والأخلاق تكشف العيوب المعنوية، وتعزز أواصر العلاقة الأخوية، ثم الاجتماعية في آن.
