الهدى – متابعات ..
في ظل اتساع الأسواق العراقية أمام التدفق الهائل للسلع المستوردة وتزاحمها مع البضائع المحلية، يواجه المستهلكون معضلة متكررة تتمثل في منتجات لا تتطابق مع المواصفات القياسية، بل إن بعضها لا يصلح للاستخدام من الأساس.
وتتزايد الشكاوى من ظاهرة الغش الصناعي وتدني الجودة في مختلف السلع، سواء كانت أجهزة كهربائية أو أدوات منزلية أو حتى مواد غذائية، ما يثير تساؤلات حادة حول ضعف دور الجهات الرقابية وحدود المسؤولية في حماية المستهلك.
خيبة أمل المستهلكين: سلع لا تستحق ثمنها
ويعبر المستهلكون العراقيون عن خيبة أمل متزايدة تجاه جودة المنتجات المتداولة. المواطن عباس محمد أشار إلى تزايد المنتجات الرخيصة والمقلّدة التي لا تطابق المواصفات القياسية، مؤكداً أن هذا يضرّ بالمستهلك أولاً وأخيراً.
وأضاف: “أشعر بخيبة أمل كبيرة حين أشتري بعض المستلزمات المنزلية لتكون أقل جودة مما أعلن عنه، وهذا يجعلني أفكّر عدّة مرات قبل شراء أيّ سلعة”.
من جانبها، أكدت الموظفة ميعاد حسن، أن الأسواق “ممتلئةٌ الآن بمنتجات لا تتحمّل الاستخدام وتتعرض للتلف بسرعة”، مشددة على أن “حماية المستهلك ضعيفةٌ أمام هذه الموجة من السلع الرديئة”.
وطالبت بضرورة فرض رقابة صارمة على البضائع المستوردة والمحلية على حد سواء، خاصة وأن بعض المنتجات المقلّدة قد تكون ضارّة بالصحة.
الخلل الاقتصادي والقانوني: المنافذ الحدودية نقطة الضعف
ويرى الخبراء أن انتشار السلع الرديئة يعود بالدرجة الأولى إلى غياب الرقابة وضعف تطبيق إجراءات السيطرة النوعية.
الخبير الاقتصادي منار العبيدي، أوضح أن القانون العراقي يشترط حصول أيّ بضاعة مستوردة على شهادة الكفاءة والسيطرة النوعية قبل دخولها البلاد.
إلا أن العبيدي أكد أن “ضعف المتابعة في المنافذ الحدودية وعدم السيطرة عليها بشكل كامل يفتح المجال أمام دخول بضائع تفتقر إلى هذه الشهادات”.
وشدد على أن غياب الرقابة وتطبيق القانون يؤديان إلى تراجع جودة السلع المتداولة في السوق المحلية، داعياً إلى تفعيل إجراءات السيطرة النوعية لتأمين حماية المستهلك.
التجار: الكلفة والجشع التجاري يغريان بالرديء
ويشير التجار إلى أن المشكلة لا تقتصر على منشأ معيّن للسلع، بل تتعلق في الأساس بالنظام الرقابي، والكلفة، والطلب، وفي أحيان كثيرة الجشع التجاري.
التاجر محمد رحيم نوّه بأن وجود بضائع تحمل “ماركات” عالمية لا يضمن الجودة ما لم يكن المنتج مبيّناً بوضوح من حيث المنشأ وشهادات الجودة، والتفتيش الجمركي.
كما أشار إلى أن المنتج المحلي قادر على المنافسة إن توفر له الدعم الحكومي وفرص تعزيز الجودة، داعياً لتعزيز دور الرقابة في المنافذ ورفع وعي المستهلك.
فيما أشار التاجر عبد الحميد رسول إلى أن السلع الرخيصة تجذب المستهلك الذي يبحث عن تكلفة أقل، خاصة في ظلّ ضعف القدرة الشرائية، ما يدفع التجار إلى استيراد أرخص ما يمكن لإشباع هذا الطلب.
وأكد أن المشكلة تتفاقم بدخول بعض البضائع بطرق غير رسمية أو عبر منافذ لا تخضع لرقابة مشددة، محذراً من أن السلع الرديئة لا تؤثر فقط في الثقة، بل لها آثار على الصحة، وتقلّل من الحافز لدى المستهلك لشراء المنتج المحلي.
الأطر القانونية والجهود المؤسسية لمكافحة الغش
تؤكد الجهات الرقابية والأمنية وجود أطر قانونية وجهود مكثفة لمواجهة هذه الظاهرة، وأهما المسؤولية القانونية، حيث أكد الخبير القانوني الدكتور سعد البخاتي أن قانون حماية المستهلك رقم (2) لسنة 2010 ينصّ على حماية المستهلك من الغش والخداع. كما يتناول قانون العقوبات العراقي جرائم الغش التجاري بالتجريم والعقاب، مشيراً إلى أن المادة (453) تعاقب من يغش أو يشرع في غش المواد الغذائية أو الطبية أو الكيميائية المعدّة للبيع بالحبس والغرامة.
وكذلك دور الأمن الوطني، إذ يقوم جهاز الأمن الوطني العراقي بدور محوري في مكافحة الغش الصناعي، حيث يتلقى بلاغات المواطنين ويجمع المعلومات الاستخباراتية المتعلقة بالمنتجات المغشوشة، بالتنسيق مع الجهات المختصة لضبط المخالفين ومصادرة الموادّ المغشوشة، دعماً لجهود حماية المستهلك.
وايضاً السيطرة النوعية في الواجهة، حيث شدد رئيس الجهاز المركزي للتقييس والسيطرة النوعية، المهندس الدكتور فياض الدليمي، على أن الجهاز يتحمل مسؤولية كبيرة في حماية السوق والمستهلك، من خلال فحص العينات ومراقبة جودة المنتجات المستوردة والمحلية وسحب المنتجات غير المطابقة.
وأضاف الدليمي، أن الجهاز يلزم المنتجين والمستوردين بالحصول على علامة الجودة العراقية واتخاذ إجراءات قانونية صارمة بحقّ المخالفين.
تأتي هذه الجهود في سياق حرص الدولة على تعزيز بيئة تجارية نزيهة تضمن جودة السلع المتداولة في الأسواق وتتوافق مع المواصفات القياسية المعتمدة.
