الأخبار

التشخيص الطبي الخاطئ يُهدد حياة العراقيين والمحاسبة غائبة

الهدى – متابعات ..

كاد صحفي عراقي ان يدخل في رحلة علاج كيماوي مميتة لولا سفرة إنقاذ إلى بيروت، حيث كشفت التحاليل الطبية عن صدمة كبرى: الرجل سليم ولا يحمل أي خلية سرطانية.

قصة هذا الزميل، الذي شُخِّص بـ “سرطان رئوي قاتل” في بغداد، لتكشف مستشفى الجامعة الأمريكية ببيروت عن خطأ تشخيصي كارثي، ليست سوى واحدة من مآسي التشخيص الطبي الخاطئ الذي بات يشكل “قاتلاً صامتاً” يفتك بأرواح العراقيين دون ضجيج، بسبب مختبرات تفتقر للدقة وأطباء تحت ضغط الإرهاق.

رحلة الموت التي كادت تودي بحياة بريء

وفي إحدى عيادات بغداد المزدحمة بشارع الحارثية، تلقى الزميل الصحفي وعكة صحية عادية.

لكن بعد الفحوصات، أبلغه الطبيب ببرودة قاتلة بأن السرطان قد نهش رئتيه بالكامل، وأن ما تبقى له من العمر لا يتجاوز بضعة أشهر.

بدأت رحلة الانهيار الجسدي والنفسي مع جرعات العلاج الكيميائي في أربيل، حتى صار جسده هيكلاً عظمياً. لم يجد أهله مفراً من نقله إلى مستشفى الجامعة الأمريكية في بيروت أملاً في تأكيد التشخيص ومواصلة العلاج، وهناك كانت المفاجأة الكبرى: التحاليل لم تُظهر أي خلية سرطانية. ما شُخِّص كمرض قاتل، تبيّن أنه خطأ تشخيصي كاد أن يقضي على إنسان سليم بالعلاج القاسي بدلاً من الداء.

وتتعدد أسباب المأساة بين مختبر يفتقر إلى الدقة، وطبيب يضغطه الوقت، ومريض يثق بالنتيجة كحكم نهائي.

ظاهرة بلا إحصاء.. وغياب للرقابة

ويكشف التحقيق عن غياب شبه كامل للبيانات الرسمية التي ترصد عدد ضحايا التشخيص الخاطئ في العراق، بسبب إغلاق الجهات الرسمية الطريق نحو الإجابة، وعدم تقدم الكثير من الضحايا بالشكاوى لغياب الثقة بآليات المحاسبة.

ويشير تقرير صادر عن نقابة الأطباء العراقية عام 2024 إلى أن أكثر من 40% من المختبرات الأهلية تعمل دون إشراف فعلي من وزارة الصحة، وأن نسبة الأخطاء في التحاليل المختبرية قد تتجاوز 25% في بعض المحافظات.

رأي النقابة: خطأ مصاحب للعمل

من جهته، أوضح الدكتور جاسم العزاوي، نقيب الأطباء العام السابق، في تصريح له، أن الأخطاء الطبية موجودة في كل دول العالم، و”من لا يعمل لا يخطئ”، مشيراً إلى أن “ما يسمى بالخطأ الطبي يحتاج لإثبات فني يصادق في القضاء، وليس اتهاماً وتشهيراً”.

وأضاف العزاوي، أن أسباب الأخطاء تعود للطبيب بسبب قلة الوعي والخبرة والإهمال، أو العجلة وعدم اتباع المعايير الطبية. كما تعود أحياناً للمؤسسة بسبب عدم توفير متطلبات الأمان والسلامة والرقابة الفنية.

قانون “رصين” يواجه ثغرات الإثبات

وبالرغم من وجود قانون رصين لنقابة الأطباء يحدد التزامات الطبيب المهنية والأخلاقية، إلا أن آليات المحاسبة تبدو ضعيفة ومتباطئة.

العقوبات تتراوح بين التنبيه والتوبيخ، وصولاً إلى الإيقاف عن العمل أو غلق العيادة، وقد تحال للقضاء للتعويض المدني أو المحاكمة الجنائية.

وبالرغم من وجود قانون المسؤولية الطبية رقم (26) لسنة 2013، فإن عدد القضايا التي تصل إلى المحاكم سنوياً لا يتجاوز العشرات، وغالباً ما تُغلق بدعوى “غياب الأدلة الفنية”.

الخبير القانوني الدكتور سعد البخاتي أكد أن التشريعات الحالية بحاجة إلى تحديث لتشديد العقوبات وتعزيز المساءلة، مشيراً إلى أن هناك عدة ثغرات قانونية قد يستغلها الأطباء أو المستشفيات للتهرب من المسؤولية.

وتابع ان أبرز هذه الثغرات هي نقص الشفافية، وصعوبة إثبات الخطأ الطبي الذي يقع عبؤه على المريض أو أسرته، بالإضافة إلى التأخير الطويل في إجراءات المحاكم.

معضلة حماية الطبيب والمريض معاً

وتتداخل قضية الأخطاء الطبية مع ملف حماية الأطباء من المطالبات العشائرية والاستهدافات الشخصية.

وتروي أم أحمد مأساتها، حيث خضع ابنها لعملية جراحية بعد تشخيص خاطئ لحالة عينيه، كاد يخرج منها فاقدًا للبصر تمامًا، وتم إنقاذ إحدى عينيه فقط بصعوبة.

ويرى الخبير القانوني علي التميمي، أن قانون حماية الأطباء يهدف لحمايتهم، لكنّه يحتاج إلى توسعة وضمانات مثل إنشاء مجمعات طبية آمنة.

وحذر من أن إحساس الطبيب بخطر العقوبة قد يجعله متردداً في إجراء العمليات، مما يزيد من المخاطر على المرضى.

وأشار التميمي إلى أن أي إجراءات عقابية ضد الطبيب تتطلب أولاً تشكيل لجنة في وزارة الصحة، حيث يوقف القضاء أي إجراءات لحين صدور كتاب رسمي من الوزارة يحدد المساءلة، مما يمثل عائقاً إضافياً أمام تحقيق العدالة للمتضررين.

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا