تؤكد الدراسات الدستورية المعمقة أن الانتخابات هي “إجراء تحضيري” لتجديد الثقة، وليست أداة لخلع الشرعية القائمة، وبموجب المادتين (56) و(50) من الدستور العراقي، فإن الولاية تمتد لأربع سنوات تقويمية كاملة (365 يوماً للسنة الواحدة)
مع إعلان نتائج الانتخابات البرلمانية، لم يعد الجدل السياسي هو الطاغي فحسب، بل برز سؤال دستوري يمس جوهر استقرار الدولة:
هل تنتهي ولاية البرلمان القائم بمجرد اجراء الاقتراع، أم تستمر حتى نهاية مدته الدستورية الكاملة؟
هذا التساؤل انتقل من أروقة النقاش النظري إلى مأزق عملي بعد قرار المحكمة الاتحادية العليا رقم (213 لسنة 2025) القاضي بإنهاء ولاية مجلس النواب الخامس في يوم اجراء الانتخابات، مما يستدعي وقفة تحليلية لإعادة الأمور إلى نصابها الدستوري.
يوم الانتخابات البرلمانية ومصير البرلمان السابق
قضى قرار المحكمة الأخير بانتهاء ولاية المجلس يوم التصويت (11/11/2025)، مما يعني تقليص عمره الدستوري بنحو 45 يوماً، هذا التوجه يمثل “شذوذاً” عن الكثير من النظم الديمقراطية لاسيما، الولايات المتحدة، وفرنسا، وألمانيا، حيث لا يُعد يوم الاقتراع نهاية للولاية، بل تستمر البرلمانات في ممارسة مهامها حتى افتتاح الدورة الجديدة؛ وذلك لضمان انتقال سلس للسلطة وحماية الدولة من أي فراغ تشريعي مفاجئ قد يعصف باستقرارها من جهة وألا يمر النظام السياسي بفراغ تشريعي من جهة أخرى.
الشرعية المزدوجة واستمرار الدولة
تؤكد الدراسات الدستورية المعمقة أن الانتخابات هي “إجراء تحضيري” لتجديد الثقة، وليست أداة لخلع الشرعية القائمة، وبموجب المادتين (56) و(50) من الدستور العراقي، فإن الولاية تمتد لأربع سنوات تقويمية كاملة (365 يوماً للسنة الواحدة)، وبما ان الجلسة الأولى للمجلس الحالي انعقد في تاريخ 9/ 1/ 2022 وهو اليوم الذي يقوم فيه الفائزون بالانتخاب بأداء اليمين الدستورية، وهي شرط من شروط اكتمال النيابة، فإن مدة الأربعة سنوات الكاملة التي حددها الدستور تنتهي في نهاية اليوم 8/ 1/ 2026، لا من تاريخ اجراء الانتخابات.
قضى قرار المحكمة الاتحادية الأخير بانتهاء ولاية المجلس يوم التصويت (11/11/2025)، مما يعني تقليص عمره الدستوري بنحو 45 يوماً، هذا التوجه يمثل “شذوذاً” عن الكثير من النظم الديمقراطية في العالم
وهنا يبرز مبدأ “الشرعية المزدوجة”، حيث تبقى شرعية البرلمان الحالي قائمة لتسلّم الأمانة للشرعية الناشئة في لحظة انعقاد الجلسة الأولى، مما يضمن أن البرلمان كـ”هيأة” يظل مستمراً بلا انقطاع، احتراماً لإرادة الشعب الذي منح الثقة لمدة زمنية محددة لا تقبل الانتقاص.
الفترة ما بين المصادقة والانعقاد
وقد تشكل صياغة المادة (54) لغزا يستوجب التحليل والتفسير، فعند الاستحقاق الأول المتمثل بدعوة رئيس الجمهورية للمجلس الجديد للانعقاد خلال 15 يوماً، نجد أنفسنا أمام عبارة المادة (54): “ولا يجوز التمديد لأكثر من المدة المذكورة آنفاً”.
ورغم تمسك البعض بـ”التفسير الضيق” (منع التمديد مطلقاً)، إلا أن التحليل الصياغي والرجوع الى الفقه الدستوري المقارن يرجح “التفسير الواسع”؛ فاستخدام لفظ “لأكثر” يعني ضمناً جواز التمديد لمرة واحدة مماثلة (15 يوماً إضافية). هذا الاجتهاد ليس خروجاً عن النص، بل هو إعمال لمقاصده؛ وبذلك يكون الدستور قد منع بدعة “الجلسات المفتوحة” غير الدستورية، ومنح القوى السياسية فسحة زمنية كافية لحسم التنافس على الرئاسات الثلاث ضمن سقف قانوني مرن يقي الدولة من الانسداد السياسي.
خارطة الطريق: بين الممكن الآني والمطلوب المستقبلي
للخروج من هذا التعارض بين قرار المحكمة والنص الدستوري، يقترح القانونيون الدستوريون، جملة من الحلول العملية أهمها:
- المسار الإجرائي: وهو يمثل الحل الآني والسريع بأن يمارس رئيس الجمهورية مِكنة التمديد في المادة (54) لتأجيل دعوة الانعقاد إلى 9/1/2026؛ وهو التاريخ الذي يضمن نهاية ولاية المجلس الحالي، وبدء الجديد دون تصادم قانوني؛ وهو حل متاح وفقا للتفسير الموسع للمادة بخلاف ما يذهب إليه البعض بأن نص المادة لا يسمح التمديد.
- المسار التشريعي: وأما الحل المستقبلي فيتمثل بحسب رأي البعض، في إعادة النظر في المادة (56) لتقريب موعد الانتخابات من نهاية الدورة البرلمانية بأيام قليلة، لإنهاء “فترة الريبة” الزمنية الطويلة، وقد يُؤخذ على المقترح بأن تعديل النصوص الدستورية يُعّد مساراً معقداً وصعب التحقق، إذ يحتاج إلى موافقة البرلمان ثم الاستفتاء الشعبي، مع شرط عدم اعتراض ثلاث محافظات، وهو أمر عسير في الواقع السياسي العراقي، لذلك قد يكون من الأسهل مراجعة قرار المحكمة الاتحادية أو إعادة تفسيره بدلًا من الدخول في مسار تعديل الدستور.
هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن مقترح جعل الانتخابات في يوم انتهاء الدورة البرلمانية أو قبلها بأيام قليلة، يفتح الباب أمام فراغ الشرعية، إذ تنتهي ولاية المجلس القائم في ذلك اليوم او بعده بأيام قليلة، بينما لا يكون المجلس الجديد قد اكتسب صفته النيابية بعد، لعدم انعقاد جلسته الأولى وأداء اليمين الدستورية، وبذلك نكون أمام فترة فراغ حقيقي، بينما الصياغة الحالية؛ إجراء الانتخابات قبل 45 يومًا، والمصادقة عليها خلال 15 يوم، و اعطاء فترة للانعقاد بعد ذلك بمدة 30 يوم (15 يوم أصيلة ومثلها بالتمديد)، تضمن وجود فترة “شرعية مزدوجة” تغطي هذا الفراغ وتمنع الانقطاع، وتضمن عدم الخروج على نص المادة (50) من الدستور القاضية بأن تكون فترة الدورة البرلمانية 4 سنوات كاملة دون نقصان. وفي الختام لابد من الاشارة الى أن السيادة التشريعية لا تقبل الفراغ، والالتزام بمقاصد الدستور هو الضمان الوحيد لاستقرار الدولة، والتعديل الدستوري، وإن كان ولابد فينبغي ان يتضمن التعديلات في القضايا الأساسية من باب أولى، فالقضية اليوم ليست مجرد إجراءات شكلية، بل هي صراع للحفاظ على هيبة المؤسسات الدستورية واحترام السنة التقويمية الكاملة التي تمثل حقا أصيلا للشعب العراقي.
الصياغة الحالية؛ إجراء الانتخابات قبل 45 يومًا، والمصادقة عليها خلال 15 يوم، و اعطاء فترة للانعقاد بعد ذلك بمدة 30 يوم (15 يوم أصيلة ومثلها بالتمديد)، تضمن وجود فترة “شرعية مزدوجة” تغطي هذا الفراغ وتمنع الانقطاع
