قانون

سيادة الشريعة.. بين الدستور وفوضى البدائل

إن خصوم المدونة لم يناقشوا النصوص بعلمية، بل لجأوا إلى “مغالطة المنحدر الزلق”، فصوروا تنظيم هذا الزواج كأنه بداية لانهيار المجتمع، بينما كان هدفهم الحقيقي هو منع أي تقنين يستند إلى الشريعة، كانوا يدركون أن نجاح المدونة هو “حجر الزاوية” لاستعادة سيادة النص التشريعي، وهو ما يخشاه دعاة التغريب القانوني

لم يعد الجدل حول قوانين الأحوال الشخصية في العراق مجرد نقاش فقهي أو اجتماعي عابر، بل أصبح سؤالًا جوهرياً عن هوية التشريع نفسه؛ هل نحتكم إلى النصوص الشرعية التي ألزم بها الدستور، أم نستمر في تدوير قوانين وُلدت في ظروف سياسية غابرة وتجاوزها الزمن؟

وبين هذا وذاك، تبرز في النقاشات العامة أمثلة لأنماط غريبة ومستحدثة من الزواج مثل؛ “زواج الكاسيت”، “زواج الدم”، “زواج الوشم”، و”المسيار” وغيرها، هذه الأنماط ليست مجرد مسميات عشوائية، بل هي ظواهر وثقتها دراسات معاصرة رصينة، أبرزها دراسة الدكتور رضا محمود محمد السعيد في كتابه (أنواع الزواج المستحدثة في العصر الحاضر وأثرها على الفرد والمجتمع في ضوء الدعوة الإسلامية – دار الكلمة)، والذي رصد انتشار هذه الزيجات في مجتمعات حاولت الالتفاف على النص الشرعي الواضح.

إن هذه الظواهر ليست إلا نتيجة طبيعية لمحاربة “حلال الله” وإغلاق الأبواب التي شرعها الإسلام لتنظيم الحاجات الإنسانية ضمن إطار الحقوق. وعندما يُحارب الحلال، لا يتجه المجتمع نحو العفة المطلقة، بل نحو بدائل مشوهة لا تحفظ نَسَبًا، ولا تصون كرامة، ولا تضمن إرثاً.

خلال دراستي للدكتوراه، وفي بحث معمق عن أنواع الزيجات المعاصرة، صُدمنا بحجم الفوضى الاجتماعية التي أنتجتها تلك البدائل. والأغرب من ذلك؛ أن الهجوم الإعلامي على “مدونة الفقه الجعفري” كان يتجاهل كل هذه الكوارث الاجتماعية، ويركز فقط على “الزواج المنقطع” كفزاعة لتخويف العامة، رغم أن شرعيته ثابتة في أمهات مصادر الفريقين، بل إن النص التاريخي الصريح والمروي في المسند وغيره يشير بوضوح إلى أصل المّنع، حيث نُسب للخليفة الثاني قوله: “متعتان كانتا على عهد رسول الله، صلى الله عليه وآله، وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما”، وهو تصريح يثبت أن الأصل هو “التشريع النبوي”، وأن المنع كان “إجراءً سلطوياً” في سياق زمنه، وليس نفياً لأصل الحلية الإلهية.

إذن، نحن أمام أصل تشريعي تم تغييبه قسراً، وحين حورب هذا “الحلال”، ابتُلي المجتمع ببدائل هجينة تضيع معها الحقوق.

إن خصوم المدونة لم يناقشوا النصوص بعلمية، بل لجأوا إلى “مغالطة المنحدر الزلق”، فصوروا تنظيم هذا الزواج كأنه بداية لانهيار المجتمع، بينما كان هدفهم الحقيقي هو منع أي تقنين يستند إلى الشريعة، كانوا يدركون أن نجاح المدونة هو “حجر الزاوية” لاستعادة سيادة النص التشريعي، وهو ما يخشاه دعاة التغريب القانوني.

اليوم، نحن أمام استحقاق دستوري ملزم. فالمادة (2) من الدستور العراقي ليست مجرد ديباجة إنشائية، بل هي “قاعدة قانونية آمرة” تنص على:

“لا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت أحكام الإسلام”.

هذا النص يلزم المشرّع العراقي بالتحرك الجاد لإعادة النظر في القوانين الحالية، وتعديلها بما ينسجم مع الهوية الدينية والقيمية للمجتمع. إن المدونة الجعفرية لا تستحدث حكماً، بل تنظّم حقاً ضائعاً وتضع آليات إجرائية للمحاكم لضبط آثار الزواج الدائم من حضانة وميراث ونفقة وفق مذهب الشريعة التي يدين بها الملايين.

إن البديل عن حكم الله ليس “الحداثة” كما يدعون، بل هو الفتنة والضياع الاجتماعي. وقد حذرنا الخالق عز وجل بقوله: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. والمخالفة هنا ليست مجرد رأي، بل هي انحراف تشريعي يفتح الباب أمام مزيد من التفكك الأسري. رسالتنا إلى مجلس النواب الجديد: استمروا في “شرعنة القوانين” ومواءمتها مع الدستور والشريعة. فالحل في اتباع النص الأصيل، لا في الركض خلف البدائل المشوهة التي أثبتت التجربة فشلها في صيانة الإنسان والمجتمع.

عن المؤلف

د. محمد جواد منذور/ دكتوراه في القانون

اترك تعليقا