قانون

مليون دعوى ومليون فرصة لاستعادة أخلاق الحُكم

مليون دعوى قضائية معلّقة في المحاكم العراقية، رقم يثير الدهشة ويطرح أسئلة أكبر من مجرد إحصاء.

فهل يعني ذلك أن لدينا مليون كاذب؟

 أم أن الحقيقة أكثر تعقيداً من هذا التبسيط؟

بين القضاء الذي يحكم بالبيّنات والأَيمان، وبين الأخلاق التي تحكم بالنيّة والقيمة، تتكشف لنا صورة أعمق عن طبيعة النزاع البشري وحدود العدالة. هنا يصبح السؤال: كيف نحافظ على أدب الحُكم، ونمنع أنفسنا من الانزلاق إلى الاتهام الجاهز؟

في الواقع، ليس بالضرورة أن يكون لدينا مليون كاذب، بل قد يكون لدينا مليونان من الكاذبين، أو قد لا يكون لدينا كاذب أصلاً.

هنا نفهم عمق قول النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله: “إنما أقضي بينكم بالبينات والأَيمان”.

الحق في الحياة الواقعية ليس خطاً فاصلاً واضحا بالضرورة؛ فالنزاعات غالباً ما تكون فيها خيوط دقيقة جداً متداخلة؛ قد يكون طرفاً جاهلاً بالحق، يطالب بحق يظنه له بناءً على قراءته الخاصة، لكنه يطالب بما ليس له.

من هنا تظهر الأهمية البالغة لفلسفة الأخلاق في التشريع الإسلامي، فالبشر يحكم بالظاهر الذي يرغب فيه، لكن الأخلاق تحكم بالنية والقيمة والحق، وتمنع من القفز إلى الاتهام بالباطل.

هذا الفهم المتوازن للحق هو ما يجب أن ينعكس على تعاملنا في المجتمع؛ فإذا كنا نتحفظ في إطلاق صفة “الكاذب” على طرف في دعوى مالية معقدة، فكيف نتجرأ على التجاوز وإلصاق التصنيفات والصفات الثقيلة بالشخصيات العامة والمراجع الدينية؟

أن تتهم الناس دون بيّنة أو مروءة، وأن تُلصق بهم صفات لم يُنزل الله بها من سلطان، وتتجاوز كل قيمة وأخلاق في نقدك، لهو الخطر الحقيقي الذي يهدد بنية المجتمع وسلامته.

المطلوب منا اليوم أن نعود إلى فلسفة الأخلاق والقيمة الإلهية التي تعطينا الأدب في الحُكم، والعمق في التحليل، والامتناع عن التجاوز على الآخرين.

وما نتحدث عنه كله يقع في دائرة المتغيرات وليس الثوابت، فما نظنه اليوم هو الحق المطلق بناءً على الأدلة والبيّنات المتاحة، قد نجد خطأنا فيه مع تغيير تلك الأدلة والبيانات.

وكمثال جلي على ذلك: كم من حُكم شرعي في المسائل الجنائية أو الأسرية تغير أو استُحدثت فيه ضوابط جديدة بسبب إدخال دليل علمي قوي كـ “البصمة الوراثية” كبيّنة في القضاء، وهو ما لم يكن متاحاً في القرون الماضية. إنها دعوة للتحفظ والتأدّب بالقيم الأخلاقية قبل إصدار الأحكام الجاهزة والمعلبة.

عن المؤلف

د. محمد جواد منذور/ دكتوراه في القانون

اترك تعليقا