حوار

“الهدى” تحاور المرشد التربوي الاستاذ عزيز ملا هذال

المرشد التربوي الناجح صديق الطالب

حاوره/ محمد علي جواد تقي

س: كيف تعرّفون دور المرشد التربوي؟ وهل يؤدي دوره؟

ج: الإرشاد التربوي هو عملية علاجية بين شخصين او اكثر، احدهما مرشد و مختص، في المدارس العراقية ينقسمون الى قمسين: إما خريج العلوم التربوية والنفسية، او خريج قسم الارشاد التربوي والنفسي، وثمة جدلية تقول: ان الارشاد وليد العلوم التربوية والنفسية، ومن يقول العكس، بكل الأحوال، يبقى الارشاد التربوي جزءاً من العلوم التربوية والنفسية من الناحية الاكاديمية، والطرفين يؤدون ذات الوظيفة.

هذه العملية بين المرشد والمسترشد تقوم على أساس حاجة فعلية من المسترشد كأن تكون طلب مساعدة منه لأمر ما، لا تنحصر في أجواء المدرسة، ربما تكون مشكلة عائلية، وربما تكون مشكلة تحصيلية، واحياناً تمكننا من حل مشاكل عائلية، او مشاكل المراهقين، ووصلنا الى بيوت بعض الناس خارج الدوام، مشاكل بين الآباء وابنائهم، وهي مشاكل تؤثر على أداء الطالب في المدرسة، وحصل أن تمكنا من تحسين أوضاع بعض الطلبة بفضل هذا التوسط.

أما عن السؤال: هل يؤدي الارشاد التربوي دوره، الجواب؛ نعم نسبياً، حسب الإمكانات المتاحة، وحسب أداء المرشد التربوي، فالشهادة الاكاديمية لم تعد كافية لأداء مطلوب، إنما يحتاج الى مهارات تساعده على نجاح وظيفته.

اقولها بكل تجرّد: بعض المرشدين يتعكزون على شهاداتهم الاكاديمية دون أن يطور نفسه، ربما تجد أحدهم لم يقرأ كتاباً واحداً في تخصصه منذ تخرّج قبل عشرين او خمس عشر سنة، وبما أننا في زمن متسارع، والمعلومات متسارعة ومتجددة، نحتاج لتطوير انفسنا، فمن لديه الرغبة في تجديد مهاراته وعلميته قطعاً سينجح في أداء مهمته، رغم وجود بعض  المعوقات والعراقيل في طريقه، فان حبه لعمله وانطلاقه من الشعور بالمسؤولية يذلل لديه كل العقبات.

س: ما هي برأيكم متطلبات نجاح المرشد التربيوي؟

ج: بالإمكان الإشارة الى اثنين:

  1. الجانب المادي.

مثلاً؛ الكتب الرسمية من وزارة التربية تؤكد على وجود غرفة خاصة للمرشد التربوي ، ولكن معظم المدارس تفتقد لوجود هذه الغرفة. هنا تحدث مشكلة جديدة؛ وهي فقدان مهمة الارشاد التربوي لمصداقيته لأنه يقوم اساساً على مسألتين: السرية والمهنية بالنسبة للمرشد، والتقبل والالتزام بالنسبة للمسترشد.

نحن في علم النفس لا نعالج السلوك وانما الدوافع النفسية الداخلة في صنع هذا السلوك. بالأساس السلوك متكون من: الفكرة – الإحساس- السلوك

أما الجانب المعنوي يتمثل بالمهارة التي يمتلكها المرشد، ومستواه العلمي وتشخيصه الدقيق للمشكلة، وهذا يرتبط بشخصية المرشد وبالبيئة الاجتماعية التي يعيش فيهاـ فبعض الإدارات في المدارس تستخف بعمل المرشد ولا تعطيه المساحة الكافية لأن يفرض المرشد شخصيته على الكادر وعلى الطالب، والنتيجة أن يتحول بعض المرشدين الى كتّاب لدى المدراء، او ان يتحول الى شرطي، في حين دور المرشد إصلاحيا وليس عقابيا، بسبب استغلال بعض المدراء لضعف شخصية المرشد، في حين ان دوره اشبه بالادعاء العام الى جانب الطالب الى حد أن لا يتجاوز على الكادر التدريسي،

س: كيف تنظر الى طبيعة علاقة المرشد مع سائر المدرسين في نجاح عملية الارشاد؟

ج: واحدة من عوامل نجاح المرشد او محفزاته، ان تكون لديه علاقة قوية او مقبولة مع الكادر التدريسي في المدرسة، ومع الادراة، لان أي تقاطع يسبب مشكلة، هنا تبدأ مهارة المرشد في ان يكسب احترام وود زملائه، لا ان يفرض عليهم رأي معين، و ربما نجاح المرشد في علاقته مع زملائه يمكنه من تحقيق أمور يعجز عنه حتى المدير في المدرسة اوالجهات العليا. فالقضية تحتاج اولاً: قناعة بأهمية الدور شخصياً، ثم نجاحه باقناع الاخرين بأهمية دوره الارشادي، ثم التوجه الى حل مشكلة تربوية داخل المدرسة، وهذا يعتمد على الذكاء العاطفي للمرشد ومهاراته. والوسائل والأساليب في التعامل مع الزملاء.

س: وماذا عن  علاقتكم بأولياء الأمور، كيف تنظرون الى دورهم في نجاح هذه الهمة؟

ج: الطالب يرى في المرشد التربوي قيمة عليا، وان ما يقوله هو الصواب، حتى لو كان على حساب أهلهم، لكن هذا لا يعني غض النظر عن دور أولياء الأمور لأن بعض السلوكيات الموجودة في المدرسة مصدرها البيت، هنا يتطلب من المرشد مدّ جسور العلاقة مع اولياء الأمور، فإذا نجح يمكنه من اعداد سي في (CV)، او دراسة الحالة، فانت معك 5 ساعات مع الطالب تقريباً، بيد ان سلوكيات الاهل في البيت يمدوك بمعلومات عنه، فهو عندما يغادر المدرسة ربما يمارس سلوكاً آخراً، نحن في علم النفس لا نعالج السلوك وانما الدوافع النفسية الداخلة لهذا السلوك. بالأساس السلوك متكون من: الفكرة – الإحساس- السلوك.

فعندما يمر شخص ولا يسلّم، سيكون الانطباع عنه انه متكبر. هنا يعمل الإحساس إزاء هذا التصرف، فتبدا بالعتاب. او اتخاذ اجراءات معينة في التعامل، بينما لو وضعت بدائل نفسية ، وهذا يسمى في علم النفس: استرايجية تعديل السلوك، هذا التعديل يضع مبررات وأسباب، فربما تكون لديه مشاكل عائلية، او حدثت له مشكلة بالشارع، بل ربما لم ينتبه لوجدي. هنا تتغير الفكرة ثم تتغير المشاعر، ثم السلوك، وهنا سيكون التعامل بشيء من اللطف والودّ والتفهّم. وشتان بين السلوك الأول والثاني، وهذا ناتج من اصل الفكرة.

وبما أننا اليوم في حرب افكار، فاذا سيطرنا على أفكار الطالب نتمكن من لاسيطرة على سلوكه ومشاعره.

س: هل بالإمكان الاستفادة من تجارب الاخرين في نجاح مهمة الارشاد التربوي؟

ج: للأمانة، معظم الدورات المقامة سابقاً لمن تكن بالمستوى  المطلوب، فبعض المرشدين او اغلبهم لا يحضر إذا كان غير ملزم فهو لا يحضر، لانه لا توجد فائدة سوى 10بالمئة. يمكن وصف بعض الدورات التي تقيمها وزارة التربية بأنها مضيعة للوقت، الأفضل الدخول في سباق مع الزمن، ونتابع تجارب الاخرين ونوظفها بما يناسب هوية مجتمعنا، فليس كل تجارب الاخرين مفيدة لنا، تبقى الأطر العامة من السهل الوصول اليها من خلال متابعة مواقع الانترنت المتوفرة لمن يريد ويرغب بالتطوير الذاتي، الى جانب الكتب والمؤلفات الخاصة بعلم النفس المتوفرة. فالمرشد الطموح لا يبقى متعكزا على فشل وقصور الجهات الحكومية، فكل وسائل التطوير متاحة اليوم.

ادعو زملائي المرشدين: اذا اتيحت لك فرصة تطوير الذات حتى ترضي نفسك على ما تقوم به، ثم أن الرضى عن النفس احد مقومات الصحة النفسية لدى الانسان، فاذا وجدت نفسك غير قادر على تأدية دورك بشكل صحيح غادر المكان. بدايةً: رضى الله ثم رضى النفس، سيتوفر عندك حافز للانجاز  الأكثر الأفضل. فاذا كان القصور في جانب الحكومة فان فرص التطوير متاحة لك من جهات مختلفة.

س: كيف تتعاملون مع الأفكار الوافدة من الانترنت على عقول الشباب؟

ج: من حيث المبدأ؛ الانسان الطبيعي يؤثر ويتأثر، وهنا نعرف مدى او احد معايير نجاح المرشد التربوي في تقويم أفكار الطالب. فإذا توفرت قوة الشخصية، ومقبولية لدى الطلاب، بامكانك اقناعهم بالتخلي عن الأفكار الوافدة.

معظم المدارس تفتقد لوجود غرفة خاصة بالمرشد التربوي، وهذا يسبب مشكلة بفقدان مهمة الارشاد التربوي لمصداقيته لأنه يقوم اساساً على مسألتين: السرية والمهنية

مثال على ذلك؛ في سفرة علمية قمنا بها مع الطلاب، خلال الرحلة سمعت بعض الالفاظ الواردة من الانترنت، كان معي احد الزملاء صدر منه رد فعل عنيف وزجر، لكن خففت من الموضوع لنعرف اصل القضية، فاستفهمنا الموضوع من الطالب قال سمعتها من الانترنت والجميع يتحدث بها.

 فقلت: من اشاع لك هذا اللفظ الدارج الشارع وانت شاب متربٍ في عائلة محترمة، ثم انك طالب إعدادية متفوقين، يحلم الطلاب بالانتساب اليها، اعرف قيمتك ومكانك، فعندما تعرّفه بمنزلته العالية من الطبيعي يغادر هذه المساحة الضحلة، على الاقل لن تسمع هذه الالفاظ في المدرسة، فقد عالجنا كثير من الالفاظ من خلال: “انكم اكبر من هذا”. “انتم الأفضل”، “الناس تنظر اليك كقدوة” وهكذا انت رفعته نفسياً عن المستنقع الذي دخل فيه لا ارادياً.

 افضل طريقة لكسر العادات والسلوكيات الخاطئة المتشكلة ومنها الالفاظ ان تكسرها داخل النفس وترفضها، فاذا تحطمت في داخل الانسان، فان النفس تعطي ايعازا الى الدماغ بان هذه العادة غير سليمة وخاطئة، فان الدماغ هو الوحيد القادر على إيقاف العادة والسلوكيات الخاطئة لدى الانسان، فهو الجهاز الوحيد القادر على  السيطرة على كل جوارح الانسان ومنها اللسان.

وثمرة هذا الجهد، ان بعض الطلاب اذا ما زلَّ لسانه بكلمة غير سليمة فانه يعتذر فوراً. وليس الامر مقتصراً على المدرسة، فعندما يتخذ من المرشد التربوي قدوة له فان اخلاقه تنعكس على شخصيته خارج المدرسة وحتى داخل أسرته، و سيتذكر ان هذه الكلمة او تلك غير سليمة لا يجب ان يتفوه بها.

س: كيف تقيم دور علماء الدين والخطباء في تعزيز دور الارشاد التربوي؟

ج: نعد الارشاد الديني أحد اركان الارشاد التربوي، ولدينا مصادر عديدة تتحدث عن الارشاد الديني في مجتمع مثل المجتمع العراقي او المجتمع الكربلائي.

ولكن؛ لابد من القول بوجود قصور في الارشاد الديني لاسباب عديدة، فقد جرى تواصل بين إدارات مدارس مع مرشدين دينيين، كانت لغة خطاب البعض عالية يعجز الطلاب عن استيعابها، بما يعني انها تنظيرية اكثر مما هي واقعية، فالحديث عن النواهي والزواجرلطلاب المتوسطة والاعدادية هو غير مستعد نفسياً لتقبل هذا الكلام. بل نحن بهذا  المستوى مع احتكاكنا بهذه الميادين ومعرفتنا اذا توجه الينا هذا الخطاب لن نقبل به.

عندما يتخذ الطالب من المرشد التربوي قدوة له فان اخلاقه تنعكس على شخصيته خارج المدرسة، وحتى داخل أسرته، وسيتذكر ان هذه الكلمة او تلك غير سليمة ولا يجب ان يتفوّه بها

نتمنى ان يكون الطرح اكثر سلاسة، يسألوني لمذا يحبونك: أقول لهم: صادقهم تأخذ منهم شيئا، وتصحّح ما يعجز حتى اهله من تصحيحه في نفسه وسلوكه.

اذا ما شعر الشاب انك قريب منه نفسياً، وعدم وجود حواجز نفسية فانه يطيعك طاعة واسعة، ليكن لدينا ارشاد ديني بأسلوب الممانعة، ونعد Antivirus  للطالب لما عنده بعض السلوكيات، ولعدم وجود الاسلوب الصحيح ان بعض الشباب لا يلتفون حول علماء الدين، ولا يتفاعلون معهم .

بالقدر الذي تتمكن من تبسيط نفسك وتشاركه اهتماماته، توجد لنفسك مكاناً في قلبه ونفسه، حيئنذ تتمكن من فعل الكثير. هذا الدور يفترض ان يكون في مدينة دينية مثل كربلاء اكثر من غيرها.

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا