أجرى الحوار: محمد علي جواد تقي
يندمج التحدي مع روح المبادرة، مع الصبر لتلبية حاجة غاية في الأهمية لمجتمع خارج للتوّ من نفق الظلم والقمع والتجهيل، ليرى نور العلم والثقافة المتصلة بهويته وتاريخه، هو عملٌ ليس بالسهل أن تربط بين ماضي مجتمع مع حاضره مع جرعات أمل لمستقبل مشرق، وهو ما حصل لتجربة مدارس أمير المؤمنين، عليه السلام، في كربلاء المقدسة المنطلقة منذ عام 2006 بافتتاح روضة للأطفال الايتام كأول تجربة تعليمية يشرف عليها التيار الرسالي- المرجعي في ظروف غاية في التعقيد والصعوبة من كل الجهات، والثمرة اليوم؛ طبيبة أسنان- محامي- تحليلات مرضية- مهندس، وهؤلاء نتاج الروضات والمدارس لهذا المشروع المبارك الذي يعود الفضل في تأسيسه، ثم استمراريته بجهود مضنية، الى سماحة السيد المرحوم عبد الغني الراشد الذي وافاه الأجل عام 2024 في حادث مؤسف، ولكن بصماته و روحه الوثابة هي التي جعلت هذه المدارس تحتفظ بحيويتها، فكيف حصل كل هذا؟
قمنا بزيارة لمدارس الإمام أمير المؤمنين، عليه السلام، في منطقة الروضتين بكربلاء المقدسة، والتقينا بالسيد مصطفى عبد الغني الراشد، نجل السيد المرحوم، وبين لنا جانباً مما يدور في أذهاننا عن سر هذا النجاح الباهر، فكان هذا اللقاء الجميل:

التأسيس
س: كيف بدأت فكرة مدرسة أمير المؤممنين، عليه السلام؟
ج: كانت البذرة الأولى في تأسيس روضة للأيتام بإسم؛ روضة السيدة رقية القرآنية، كأول تجربة تعليمية لمؤسسة أمير المؤمنين، عليه السلام، الخيرية، في منطقة حي النصر تستهدف بالدرجة الأولى الايتام، وكانت أول تجربة من نوعها في كربلاء المقدسة آنذاك.
اهتمت هذه الروضة بالتربية الدينية على هدى القرآن الكريم وإنشاء جيل يعتمد في
وبعد نجاح اول تجربة، افتتحت مؤسسة أمير المؤمنين، عليه السلام روضات أخرى عام 2009، ثم التطور بافتتاح اول مدرسة ابتدائية للأيتام في حي الموظفين، استقبلت العديد من الطلبة، متحديةً ظروفاً قاسية، لاسيما من الناحية المالية، إذ كان علينا تجهيز المدرسة بالأثاث، وتوفير رواتب الكادر التعليمي، ومتطلبات كثيرة أخرى تتم من خلال تبرعات الخيّرين من أبناء المجتمع المؤمن، ولكن هذا لم يمنع من أن تشق المؤسسة طريقها في مشروعها التعليمي- الرسالي بتأسيس أول مدرسة ثانوية عام 2011 بغية الاحتفاظ بثمار جهودها مع الأطفال الايتام وغيرهم ممن أمضوا مرحلة رياض الأطفال ثم المدرسة الابتدائية. هذه الجهود الاستثناية لاقت تفاعلاً واستجابة من المواطنين الذي كانوا يرون أول تجربة في كربلاء المقدسة لمدارس تجمع بين العلم والدين.
واليوم؛ ولله الحمد لدينا في أربع مدارس تحت الإسم المبارك: مدارس أمير المؤمنين، عليه السلام، وهي: الابتدائية، والمتوسط، والاعدادية، للبنين والبنات، بالتناوب في الدوام الصباحي والمسائي.
المنهج:
س: تعتمدون المنهج الحكومي، بيد أنكم مدرسة أهلية تعتمد المنهج الرسالي الخاص بكم كمجموعة مدارس أمير المؤمنين، عليه السلام، فما تعتمدون في هذا المنهج؟
ج: أعددنا كتاب “رسالتي”، وهو كتاب خاص لمدارسنا أعده علماء دين مجتهدون، يتضمن ثلاث أجزاء؛ الأول: للمرحلة الابتدائية، وفيه تدريس الأخلاق، والعقائد في ضوء سيرة المعصومين، عليهم السلام، وسيرة الأنبياء، متبعين الأسلوب القصصي السلس، أما الجزء الثاني فهو للمرحلة الثانونية، والجزء الثالث للإعدادية، ويتضمن أسئلة تحثّ الطالب على التفكير والتأمل ليجيب عليها بنفسه، ثم تكون مهمة المدرس؛ التقويم والتصحيح، وفي هذه المرحلة العمرية الحساسة نحاول تحصين الطالب ثقافياً وفكرياً ليكون مملوءاً بالمعارف الإسلامية بحيث لا تتمكن الأفكار الوافدة من اختراقه.
س: ما هي البدائل الثقافية، ومصادر الأفكار الصحيحة لتحقيق هذا الهدف الرسالي؟
ج: لله الحمد لدينا أعظم مصدر فكري وثقافي بوجود سماحة السيد المرجع الديني السيد محمد تقي المدرسي، فنحن ندعو الطلبة لحضور المحاضرات، ومطالعة مؤلفاته القيمة، ونؤكد اكثر على الحضور والاستماع ايماناً منّا بقوة تأثير الكلمة المباشرة على الشباب.
وما يتعلق بالحياة العامة، نوصي بمتابعة أفكار سماحة آية الله السيد هادي المدرسي، وفي العقائد، ندعو للاستماع لخطباء المنبر الحسيني، وفي مقدمتهم؛ سماحة الشيخ زمان الحسناوي لاتباعه أسلوب الدليل العلمي الجاذب للشباب بما يرفع عنهم أي نوع من الإشكالات والابهامات التي تثار هنا وهناك حول العقيدة والثقافة الإسلامية.
س: ما الذي يميز مدارس امير المؤمنين عن سائر المدارس الاهلية؟
ج: الى جانب سجلات الامتحان اليومي والشهري، والسجل الأخلاقي، لدينا في مدارس أمير المؤمنين، عليه السلام، سجل الكفاءة الأسبوعي، يتسلمه ولي الأمر اسبوعياً على شكل تذكير بمستوى الابن الدراسي، ويتكفل بهذا “قسم الاعلام” في المدرسة، ويتابع الأمر اثنين من الاخوة بارقام هواتف لا تصمت يومياً للتواصل مع أولياء الأمور.
سجل الفكاءة عبارة عن مواد دراسية يُمتحن فيها الطالب مرة اسبوعياً للمادة التي أخذها طوال الاسبوع، وهو امتحان مركز وسريع لمدة خمسة عشر 15دقيقة، يجعل الطالب لا يضيع وقته في المنزل دون مراجعة دروسه، فهو يعلم إن لم يحضر يومياً ويقرأ المادة في المنزل لن يكون مستعدا للاجابة في هذا الامتحان، لاسيما في مواد علمية مثل الاحياء والكيمياء.

وعليه؛ فان ثمة درجة تنزل في السجل لكل مادة. كما تنزل تقييم المشاركة في الدرس، وايضاً مدى تحضيره للواجبات، وحتى الأسئلة التي يطرحها الى الأستاذ، اذ ليس المطلوب فقط الإجابة، وانما للدلالة على انه في طريق البحث العلمي، هذا علاوة على ملاحظات الأستاذ على الطالب، كلها تنزل في السجل وتقدم اسبوعياً يوم الخميس، ويعرض على ولي الامر.
س: وماذا عن دور المرشد التربوي؟
ج: نولي أهمية كبيرة جداً للمرشد التربوي ليكون دوره اكثر من كونه وظيفة، الى دور أبوي وناصح لمساعدته على معالجة المشاكل التي تعيقه في دراسته.
التحديات
س: ماهي أبرز التحديات التي واجهتموها خلال مسيرتكم التعليمية؟
ج: أبرز التحديات؛ النظرة النمطية عند وزارة التربية على المدارس الاهلية على أنها مشاريع ربحية، فمن غير الصحيح تعميم هذه الحالة السلبية على جميع المدارس الاهلية، وهو ما ترك اثراً سلبياً على التعامل معنا.
نتحفظ على فكرة علاقة الصداقة بين المدرس والطالب، إنما ندعو لمعاملة أبوية بين المدرس والطالب، لان علاقة الصداقة لا تعطينا نتائج تغييرية وإصلاحية، فالطرفين متكافئين، بينما العلاقة الأبوية تجعل الاب يفكر بالطريقة التي يتقرّب بها الى إبنه الطالب لإيصال الفكرة الصحيحة اليه
والتحدي الآخر؛ أزمة التربية في المشروع التعليمي في العراق بسبب منهج التعليم البحت والتفكير بنجاح الطالب فقط، دون التفكير بالجانب التربوي والأخلاقي، وهذه مسؤولية المعنيين في وزارة التربية، كما تقع على عاتق إدارات المدارس قبل المعلم والمدرس في الصف. فهي التي يجب ان توجد مصاديق لعنوان التربية قبل التعليم.
س: ما هي مواصفات الكادر التعليمي والتربوي لديك؟
ج: ان تكون لديه فكرة تربية جيل متعلم ومثقف، ليس فقط همه النجاح ثم التعيين، انما لتوسيع فكر الطالب نحو آفاق العمل في المستقبل، وكيف يكون عالماً، أو رجل أعمال، وأن يكون منتجا، و ذو شخصية رسالية قادرة على تغيير واقع مجتمعه للأفضل.
س: ما هي طموحات وتطلعات مدارس أمير المؤمنين، عليه السلام؟
ج: قبل ان نفكر بتكرار تجربة مدارس أمير المؤمنين في المدن الأخرى بالعراق، نتطلع الى إنشاء جامعة أمير المؤمنين في كربلاء لتكون امتداداً لمشروع بناء شخصية الشباب، ففي مرحلة الجامعة يكون في حالة استعداد كامل لاستقبال مختلف الأفكار اكثر من اقرانه في الإعدادية، فهو يحاور، ويسأل، ويشارك برأيه، فهو شاب ناضج، انما يحتاج الى الإضاءة ليجد الطريق الصحيح. لذا فان الهدف الأول والأخير من الجامعة، حماية هذا الجيل من الهجمات الفكرية والثقافية من الخارج وتحديداً عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
بلى؛ ثمة بعض الأفكار فيها جانب من الصحة مغموسة ضمن منظومة أفكار سيئة، فعندما يتلقى الشاب هذه الحزمة الفكرية فانها تكون كلها صحيحة بالنسبة اليه، بينما هي مصداق كلام أمير المؤمنين، عليه السلام: “كلمة حق يراد بها باطل”.
نحن لا نجبر أحداً على القبول بفكرة معينة بشكل مباشر، إنما نمنحه حرية الاختيار بين خيارات يزن صوابها او سقمها بعقله، مثل حب البعض لشخصية الحاكم القوي، وإن كان ديكتاتوراً او سفاكاً للدماء، فنحن نفنّد الأفكار الخاطئة من خلال عقل الشاب وثقته بنفسه.
ونهتم بشكل بالغ باختيار الأساتذة والاداريين الكفوئين في مجال التربية والإرشاد قبل التعليم، وحالياً امامنا حوالي 500 اسم لخريجين ومتقدمين للتعيين في مدرستنا من السادة والسيدات، ونحن بصدد اجراء جرد لاختيار الأكثر كفاءة ومقدرة لأداء دور يتوافق مع مهمة مدارس امير المؤمنين.
نتحفظ على فكرة علاقة الصداقة بين المدرس والطالب، إنما ندعو لمعاملة أبوية بين المدرس والطالب، لان علاقة الصداقة لا تعطينا نتائج تغييرية وإصلاحية، فالطرفين متكافئين، بينما العلاقة الأبوية تجعل الاب يفكر بالطريقة التي يتقرّب بها الى إبنه الطالب لإيصال الفكرة الصحيحة اليه.
إن أجواء العمل الخيري، و رؤية الطلبة الايتام، وهم يجلسون على مقاعد الدراسة، يكتسبون من العلوم والمعارف والآداب في هذه المدارس، يجعلنا نقدم الأكثر بكل شغف وتضحية، وهنا نقدم الشكر والثناء لكل المؤسسين والعاملين مثل السيد رائد الماجدي، والسيد أبو رقية، وسماحة السيد جواد المدرسي، وايضاً السيد الوالد، رحمة الله عليه، الذي كان المحور والمشرف الأول على هذا المشروع منذ انطلاقة الروضات الخيرية، ولم نكن نفكر يوماً بالجانب الربحي مطلقاً بقدر ما يهمنا نجاح المشروع التربوي والرسالي الى جانب العلم والمعرفة، وهذا تحديداً هو الذي هوّن علينا مصاعب ومشاق العمل مع أطفال غير سهلين في سلوكهم وتصرفاتهم، الى درجة أن جاءت أيام أعرب المدير عن انزعاجه الشديد وتهديد عدد من الطلبة بالطرد بسبب مشاكساتهم، واليوم عندما نراجع تلك الأيام نبتسم للنتيجة التي وصلنا اليها، وهي أن أولئك الأولاد المشاكسون الذين كانوا على شفا الطرد من المدرسة اصبح احدهم طبيب اسنان والآخر محامي وعضو نقابة المحامين، الى جانب الطالبات اللاتي بلغن مراتب علمية راقية مثل التحليلات المرضية، والهندسة، والقانون، كلها نتاج الصبر والمثابرة وتحدي الصعوبات مهما كانت.
نشكر الأخ والأستاذ السيد مصطفى عبد الغني الراشد على إتاحة هذه الفرصة للحوار حول هذا المشروع التربوي والتعليمي.
وبدوره، شكر السيد الراشد مبادرة مجلة الهدى الالكترونية لتعريف القراء الكرام على الجهود المبذولة في مدارس أمير المؤمنين، عليه السلام.

