الهدى – متابعات ..
تتحول شوارع المدن العراقية يومياً إلى ساحة مفتوحة للصراع بين عجلات المركبات وهياكل الدراجات النارية التي باتت تشكل رقماً صعباً في معادلة الحوادث المرورية.
وبينما تتصاعد شكاوى المواطنين من الفوضى التي تسببها هذه الوسيلة، تبرز تعقيدات قانونية واقتصادية واجتماعية تجعل من “أزمة الدراجات” ملفاً شائكاً يتأرجح بين ضوابط مديرية المرور العامة وسطوة الأعراف العشائرية، فضلاً عن العبء المادي الذي يثقل كاهل مقتنيها.
ويؤكد مدير المرور العامة، الفريق الدكتور عدي سمير حليم، أن الدائرة هي الجهة الأساسية المعنية بتنظيم حركة السير، مشدداً على أن أي مستخدم للطريق، سواء كان سائق مركبة أو دراجة أو مشاة، يقع تحت طائلة المساءلة القانونية عند المخالفة.
ويوضح حليم أن الدراجات التي تزيد سعة محركها عن 40 سي سي مشمولة بالتسجيل الأصولي، وتُرصد مخالفاتها عبر أنظمة الكاميرات الذكية، مشيراً إلى أن المخالفات الشائعة تشمل السير عكس الاتجاه، واجتياز الإشارات الضوئية، وغياب اللوحات المرورية.
وينفي الفريق حليم، وجود عزوف عن التسجيل، مؤكداً وجود إقبال واسع من أصحاب الدراجات لإضفاء الصفة القانونية على استخدامهم للطريق، كاشفاً عن خطط مستقبلية لإدخال الدراجات والسيارات الكهربائية ضمن النظام المروري لضمان تعريفها رسمياً لدى الأجهزة الأمنية.
وحول المسارات الخاصة، يبيّن أن الخطة تشمل الدراجات الهوائية فقط، لكون الشوارع الحالية لا تستوعب مسارات مستقلة للدراجات النارية الكبيرة.
في المقابل، تبرز إشكالية “الحق العشائري” كعائق أمام تطبيق القانون في الحوادث التي تنتهي بوفيات.
ويوضح شيخ عام عشيرة الفليحات، الشيخ رحيم مزعل الفليحي، أن التعامل مع هذه الحوادث يتباين بين المحافظات؛ فمنها ما يلتزم بمخطط المرور ونسب التقصير وتحديد الدية وفق الشرع والقانون، ومنها ما يتبنى عرفاً يبرئ سائق الدراجة تلقائياً ويحمل صاحب المركبة المسؤولية كاملة، وهو ما يصفه بـ”الظلم الاجتماعي”.
ويحمل الفليحي، مديرية المرور جزءاً من المسؤولية بسبب السماح لفئات غير مؤهلة، كصغار السن والمراهقين، بقيادة الدراجات في الشوارع العامة دون رادع حقيقي، واصفاً قانون المرور الحالي بالضبابي والضعيف في محاسبة هذا النوع من العجلات مقارنة بالمركبات الكبيرة.
من وجهة نظر قانونية، يرى المستشار الدكتور سعد البخاتي، أن الدراجات النارية مركبات تخضع بكامل أحكامها لقانون المرور رقم 8 لسنة 2019.
ويحذر البخاتي من أن قيادة دراجة غير مرقمة أو بدون إجازة سوق يعرض صاحبها للحبس مدة تصل لثلاثة أشهر وغرامات مالية، فضلاً عن حجز الدراجة.
ويؤكد أن المسؤولية الجزائية تتضاعف في حوادث الدهس إذا كان السائق مخالفاً لشروط التسجيل أو يقود تحت تأثير المسكرات.
ميدانياً، يشكو المواطن أحمد جاسم (سائق سيارة) من السلوكيات المتهورة لبعض أصحاب الدراجات، كالسرعة الجنونية واستخدام الهاتف المحمول و”النقطة العمياء” التي تسبب حوادث كارثية عند الانعطاف.
وعلى الضفة الأخرى، يطرح محمد جاسم (سائق دراجة منذ 14 عاماً) الجانب الاقتصادي للأزمة، مشيراً إلى أن كلف الترقيم والرسوم الجمركية التي تصل إلى 700 ألف دينار تفوق أحياناً قيمة الدراجة نفسها التي قد لا تتجاوز 300 دولار.
وهذا الفارق السعري دفع الكثيرين للعزوف عن التسجيل، مما أدى إلى تراكم آلاف الدراجات المحجوزة في مراكز الشرطة، في ظل توقف الاستيراد الرسمي وارتفاع الرسوم، ما جعل الدراجة -وسيلة الفقراء- عبئاً قانونياً ومادياً ثقيلاً.
ويبقى ملف الدراجات النارية في العراق مفتوحاً على تساؤلات كبرى حول الحاجة إلى مراجعة الرسوم المالية لتشجيع التسجيل، وتشديد الرقابة الميدانية لضبط “انفلات” الشوارع، قبل أن تتحول هذه الظاهرة إلى أزمة أمنية واجتماعية يصعب احتواؤها.
