الهدى – متابعات ..
يواجه ملف تعيينات ذوي المهن الطبية والصحية في العراق منعطفاً حرجاً يضع الدولة أمام مواجهة مباشرة مع خلل تخطيطي تراكمي، حيث كشف النائب محمد جاسم الخفاجي عن بيانات رقمية وصفت بالصادمة، تشير إلى وجود أكثر من 200 ألف خريج حالياً، يساندهم جيش من الطلبة يتجاوز الـ500 ألف طالب على مقاعد الدراسة، مما يرفع سقف التوقعات لوصول عدد الخريجين إلى نحو مليون شخص في السنوات القليلة المقبلة، وهو ما اعتبره الخفاجي مؤشراً خطيراً يتطلب “عملية جراحية كبرى” وشجاعة سياسية لتعديل قانون التدرج الطبي رقم 6 لسنة 200.
وشدد الخفاجي، على أن القضية لم تعد تتعلق بوزارة الصحة وحدها، بل تشمل منظومة الدولة بالكامل من تخطيط وتعليم وصناعة، لمواجهة الفساد الذي سمح بتحويل الكليات الأهلية إلى مشاريع تجارية تغرق السوق بتخصصات تفوق الحاجة الفعلية.
وفي المقابل، أثار هذا الطرح البرلماني ردود أفعال واسعة من خريجي دفعة 2023 الذين يعيشون أزمة انتظار دخلت عامها الثالث، حيث ركزت مطالبات الخريجين على ضرورة فصل قضيتهم عن الحلول الاستراتيجية طويلة الأمد، مشيرين إلى أن هناك نحو واحد وعشرين ألف خريج من هذه الدفعة لا يزالون مجهولي المصير رغم تعيين النصف الأول من أقرانهم في الدفعة ذاتها، وهو ما اعتبروه غياباً للعدالة وخرقاً للالتزامات القانونية والأولويات التي أقرتها القرارات الحكومية السابقة، مطالبين بإنصافهم عبر عقود وزارية فورية أسوة بزملائهم، قبل الشروع في أي تعديلات قانونية تمس الدفعات المستقبلية.
كما تضمن المشهد رؤى شعبية وأكاديمية دعت إلى حلول جذرية تتجاوز التعيين الحكومي التقليدي، من بينها مقترحات بإلزام الجامعات الأهلية بفتح مستشفيات ومشاريع طبية تستوعب خريجيها عوضاً عن الاعتماد الكلي على الدولة، بالإضافة إلى دعوات لفك الازدواج الوظيفي عبر تخيير الكوادر الطبية بين العمل الحكومي أو فتح العيادات والصيدليات الخاصة لخلق فرص عمل جديدة.
وفي ظل هذا التجاذب بين الرؤية التشريعية والاحتياجات الواقعية، يبقى ملف المهن الصحية اختباراً حقيقياً لقدرة الحكومة على الموازنة بين الإصلاح القانوني لضبط فوضى التعليم الأهلي وبين الوفاء بحقوق آلاف الخريجين الذين يرفضون دفع ضريبة فشل السياسات التخطيطية والفساد الإداري.
