مكارم الأخلاق

ردع النفس عن إلحاق الأذى بالآخر

لا يمكن للإنسان أن يحقق نواقصه المعنوية والفكرية وحتى الدينية والمادية، إذا عزل نفسه عن الآخرين، من هنا لابد من التشارك معهم في تذليل مصاعب الحياة، وتحصيل الرزق اليومي وتكملة النواقص

لكل إنسان قيمة ومعنى وحدود وحقوق، ولعل أهم ما يبتغيه كل إنسان أن تبقى حقوقه مُصانة، وحدوده غير منتهَكة، ومراعاة الناس لحقوقه وحدوده، ومنها على سبيل المثال كرامته ومعتقداته وأملاكه الخاصة وعدم التجاوز عليه في أي جانب كان، ومثل هذه الأهداف والتمنيات لا يمكن تحقيقها، ما لم يكفّ الناس عن إلحاق الأذى بالآخرين.

وهذا يتطلب ردع النفس وكفّ أذاها عن الآخر، حتى يسود نوع من الاستقرار والاحترام بين الجميع، فطالما أن الإنسان اختار العيش بشكل جماعي مع الآخرين، فهذا أدّى وسوف يؤدي إلى نوع من الاحتكاك بين أفراد المجتمع، لأن الحصول على الرزق والسعي إليه أمر لابدّ منه، فيحدث ذلك التنافس وربّما الصراع بين الفرد وغير أو بين الجماعة وسواها.

بمعنى إن العيش مع الآخرين أمر لا يمكن التخلّص منه، فالذي يريد العيش وحده معزولا أو عازلا نفسه عن الآخرين، لا يمكن أن يواصل حياته بهذا الشكل الانعزالي، لأنه يحتاج إلى غيره كي يُكمل نواقصه سواء في الغذاء أو مشاركة الأعمال والأفكار، وحتى في الملبس وطلب العلم والصناعة والزراعة وفي كل شيء.

لذا لا يمكن للإنسان أن يحقق نواقصه المعنوية والفكرية وحتى الدينية والمادية، إذا عزل نفسه عن الآخرين، من هنا لابد من التشارك معهم في تذليل مصاعب الحياة، وتحصيل الرزق اليومي وتكملة النواقص والاحتياجات بشكل متبادَل، ولكن يجب أن تتم هذه الأمور بعيدا عن انتهاك الحدود الفردية والجمعية، مع الإصرار على حماية الحقوق بشكل متبادَل، وهذا ما أكد عليه الإسلام، وهو ذاته ما جعل في العديد من أحاديث الأئمة عليهم السلام، ولم تكن الكلمات والمعاني وحدها في هذا المضمار، بل تؤكد سيرة أهل البيت، عليهم السلام، بأنهم كانوا في حياتهم يطبقون جميع ما جاء في أقوالهم وأفكارهم واحاديثهم.

وحتى لو أساء لك الآخر، ينبغي أن تسعى إلى المواجهة السلمية، ولا تبادله الشر بالشر، أو العدوان بالعدوان، بل هناك تأكيد دائم ومستمر في الأحاديث والروايات الشريفة لأهل البيت، عليهم السلام، أن يسير المسلم في طريق السلم، ويأتي على نفسه ويردعها، ولا يبادر في إلحاق الأذى بمن يختلف معه أو حتى الذي يريد أن يؤذيه، بل عليه أن يمنع نفسه وشخصه من انتهاك حقوق وممتلكات الآخرين المادية أو سواها.

حيث يقول الإمام عليّ، عليه السلام،: “المؤمن نفسه منه في تعب والناس منه في راحة”. (كتاب الخصال).

من هنا فإن الإنسان، أي إنسان، ومهما كان انتماؤه العرقي أو الديني أو الجغرافي، عليه أن يحصّن نفسه من التجاوز على الآخرين، وأما الإنسان المسلم فإن الدين الإسلامي والأحاديث والروايات الشريفة تحثّه وتوصيه دائما بأن يمتنع عن إلحاق الأذى بالناس، ويحاول أن يأتي على نفسه ويمنعها ويسيطر عليها ويقودها بما يؤدي إلى حماية الآخر وحقوقه، وعدم التجاوز عليه، فهذا الأمر مطلوب من كل إنسان، وبالأخص المسلم لأن دينه يأمره بذلك.

ولنا أن نتصور لو أن البشرية كلها، وكل إنسان ينتمي إليها عملَ وفق هذا المبدأ كما يريد أهل البيت، عليهم السلام، وكما يريد الإسلام، فما هي النتيجة إذا عمل الجميع بها المنهج؟

الشيء المؤكّد أن الجميع مسلمون وغير مسلمين، سوف يعيشون في واقع عالمي آخر، غير ما يعيشنه اليوم، حيث العالم كله مضطرب ومشحون بالعداوات والأحقاد والصراعات، وكأنه غابة يأكل فيه القوي الضعيف، ويزدري فيه الغني الفقير، وتضيع الإنسانية وتُمسي في خبر كان. لذلك ركّز الإسلام على هذه النقطة، وأكدت الأحاديث والروايات الشريفة، على مداراة حقوق الآخر، وكفّ النفس عن إلحاق الأذى بالآخر حتى لو أصبحت النفس في حال (عدم الراحة)، والمهم هنا أن يكون الآخرون في راحة منك كما أشار إلى ذلك حديث أمير المؤمنين علي، عليه السلام، حيث أكد على أن الإنسان المؤمن “نفسه منه في تعب)”، لأنه يردعها دائما ولا يسمح لها بالتمادي والتطاول على حقوق الآخرين، وفي المقابل يكون الآخرون منه في راحة، لأنه يراعي حقوقهم وحدودهم ولا يفكر في اختراق خصوصياتهم ولا التجاوز عليهم تطبيقا للحديث النبوي الشريف: “المسلم من سلم الناس من لسانه ويده”.

لنا أن نتصور لو أن البشرية كلها، وكل إنسان ينتمي إليها عملَ وفق هذا المبدأ كما يريد أهل البيت، عليهم السلام، وكما يريد الإسلام، فما هي النتيجة إذا عمل الجميع بها المنهج؟

عن المؤلف

حسين علي حسين/ ماجستير إدارة أعمال

اترك تعليقا