الأخبار

هل تسرق الأجهزة الذكية مستقبل أطفال العراق؟

الهدى – متابعات ..

تحت غطائه الدافئ، يمارس الطفل “علي” لعبة الاختفاء والظهور، ليس مع أقرانه في زقاق الحي، بل مع شاشة هاتفه الذكي التي يضمها إلى صدره كشريك في مؤامرة السهر. يراقب بوجل خطوات والده التي تقترب، فيخفض الإضاءة والصوت بلمح البصر، مستنزفاً لياليه في ملاحقة “مراحل متقدمة” داخل عالم افتراضي، بينما يغرق عالمه الواقعي في سبات عميق.

هذه القصة ليست مجرد حادثة عابرة، بل هي واجهة لواقع اجتماعي وتربوي معقد بدأ يعيد تشكيل الطفولة في العراق.

سلاح ذو حدين

ويرى الباحث الاجتماعي ولي جليل الخفاجي، أن هذه الأجهزة تمثل “سلاحاً ذا حدين”؛ فهي قادرة على تطوير المهارات اللغوية والقراءة إذا وظفت بوعي، لكنها تتحول إلى أداة للعزلة عندما تمنحها العائلات لأطفالها بهدف “إسكاتهم” أو إبعاد ضجيجهم لإتمام الأعمال المنزلية.

ويحذر الخفاجي، من أن هذا الاستخدام العشوائي يؤدي إلى تدني المستوى الثقافي والتعليمي، حيث يتحول شغف الطفل من البحث والمعرفة إلى مجرد الانشغال بالمحتوى الترفيهي السطحي، داعياً المدارس لتبني “المعلم الذكي” الذي يدمج الهاتف في الدروس كأداة بحثية لعلاج هذا التشتت.

الإدمان الرقمي

من جانبه، يشخص الدكتور صفد الشمري، أستاذ الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي بجامعة بغداد، المشكلة بأنها لم تعد ظاهرة عابرة بل جزءاً من “الحياة اليومية” للأسرة العراقية.

ويؤكد الشمري أن التعرض المستمر للمحتوى سريع الإيقاع يضعف قدرة الطفل على التركيز داخل الصف، حيث يعتاد الدماغ على المنبهات المتغيرة ويفقد الصبر أمام الأنشطة التعليمية التقليدية.

كما يشدد على ضرورة ألا يمتلك الطفل جهازاً خاصاً قبل سن العاشرة، نظراً للحاجة الماسة في السنوات الأولى إلى التفاعل الحركي والواقعي الذي لا توفره الشاشات.

التلاشي الاجتماعي والنمو اللغوي

وفي قراءة أعمق للتأثيرات النفسية، يشير الدكتور عدي عبد شمخي، إلى أن التكنولوجيا بدأت تتقدم على “الدفء العائلي”، محذراً من أن حلول الشاشة محل الحوار الأسري يضعف قدرة الطفل على فهم الإشارات الاجتماعية والمشاركة الوجدانية.

ويوضح شمخي أن الطفل الذي يدخل الصف وهو في حالة “إرهاق إدراكي” بسبب الإفراط في المنبهات البصرية، غالباً ما يواجه صعوبة في القراءة والكتابة، ويصبح أكثر اندفاعاً وأقل انضباطاً، مما يجعل التكنولوجيا في حال غياب الرقابة خصماً يعطل النمو المتوازن.

دروس التكنولوجيا كبديل عصري

وتتفق الرؤى التربوية على أن الحل لا يكمن في “الحرمان المطلق”، بل في “التقنين الذكي”. ويقترح الخفاجي إدخال دروس التكنولوجيا في المدارس كبديل لدروس الرسم، لتعليم الأطفال كيفية استخدام الأجهزة كمصادر معرفية.

فيما يختم الخبراء بالتأكيد على أن استعادة التوازن تتطلب مثلثاً يتكون من: منهج تربوي واضح، تدريب حقيقي للمعلمين، وإشراف أسري يختار المحتوى المناسب ويقدم البدائل الحركية، لضمان ألا يظل أطفال مثل “علي” يختبئون تحت الأغطية بحثاً عن حياة بديلة تسرق منهم مهاراتهم الواقعية.

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا