الأخبار

القطاع الصحي في العراق: فائض في الخريجين ونقص في الاستيعاب

الهدى – متابعات ..

يقف القطاع الصحي في العراق اليوم عند مفترق طرق حاسم، حيث يواجه ضغوطاً متصاعدة ناتجة عن النمو السكاني المتسارع الذي كشف بوضوح عن فجوة عميقة بين حجم السكان الحالي والقدرة الاستيعابية للمرافق الطبية.

فالواقع يشير إلى أن معظم المستشفيات والمراكز الحالية بنيت في حقب زمنية سابقة لخدمة أعداد سكانية أقل بكثير، مما جعلها غير متوافقة مع المتطلبات الراهنة، وأدى إلى ازدحام دائم وتراجع في جودة الخدمة.

وما يضاعف من تعقيد المشهد هو التفاوت الجغرافي الحاد في توزيع الخدمات، حيث تتركز الإمكانات في المدن الكبرى بينما تعاني المناطق الريفية والنائية من نقص حاد في الأطباء والممرضين، مما يفاقم الفوارق الاجتماعية والصحية بين المحافظات.

وفي خضم هذه التحديات، تبرز مفارقة لافتة تتمثل في امتلاك العراق فائضاً من خريجي التخصصات الطبية يقابله نقص حاد في المرافق القادرة على استيعابهم، وهو ما يضعه أمام ازدواجية التحدي بين نقص الموارد البشرية المتخصصة في بعض المجالات وسوء استغلال الكوادر المتاحة في مجالات أخرى.

لذا تسعى الحكومة ضمن رؤية “العراق 2050” والبرنامج الحكومي الحالي إلى معالجة هذه الاختلالات عبر استراتيجية متكاملة تهدف إلى تعزيز الاستثمار في البنية التحتية الصحية وبناء مراكز جديدة في المناطق المكتظة، مع التركيز بشكل أساسي على “التحول الرقمي” لربط السجلات الطبية بكافة المرافق، وهي الأداة التي يعول عليها الخبراء لتحديد الاحتياجات بدقة وتقليل الهدر المالي وضمان توزيع أكثر عدالة للموارد.

ويرى المستشار الاقتصادي لرئيس الوزراء، مظهر محمد صالح، أن الحكومة تعي تماماً ضرورة الموازنة بين النمو السكاني وقدرة القطاع الصحي، مشدداً على أن برنامج التأمين الصحي الوطني ودعم الأسر محدودة الدخل يمثلان خطوة جوهرية نحو تحقيق العدالة الاجتماعية.

وفي ذات السياق يؤكد مختصون في السياسات الصحية أن استثمار فئة الشباب الذين يمثلون أكثر من نصف السكان يعد فرصة تاريخية، شريطة ربط برامج الصحة بالتعليم والتأهيل المهني لخلق قوة عاملة منتجة في قطاعات الصناعة والزراعة والسياحة، بدلاً من بقاء هذا الزخم البشري عبئاً على الدولة، وهو ما سيحول التحدي الديموغرافي من ضغط على الموارد إلى محرك رئيسي للنمو الاقتصادي المستدام بعيداً عن تقلبات أسعار النفط.

وتخلص الرؤية الاقتصادية إلى أن العراق يمر بمرحلة حاسمة تتطلب تحويل “الهبة الديموغرافية” إلى قوة دافعة، حيث يشير الباحثون إلى أن أي تأخير في تنفيذ خطط التوسع الصحي وتطوير سوق العمل سيحول هذه الكتلة البشرية الشابة إلى عبء ثقيل يهدد الاستقرار النظامي.

ومن هنا تبرز أهمية الربط بين القدرة الاستيعابية للقطاعات الأساسية كالصحة والتعليم وبين متطلبات سوق العمل، لضمان ألا يقتصر الإصلاح على تشييد المباني بل يمتد ليشمل تأهيل الإنسان كركيزة أساسية للتنمية، فالعراق إذا ما نجح في استثمار شبابه وتطوير بنية صحية رقمية وحديثة، فإنه سيتمكن من تحقيق نقلة نوعية تضع حداً للفوارق المناطقية وتدفع عجلة الاقتصاد الوطني نحو آفاق أكثر استقراراً وأماناً.

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا