الأخبار

محو الأمية في العراق؛ جهود حكومية متعثرة وتحديات تعيق الرؤية الوطنية

الهدى – متابعات ..

يواجه ملف محو الأمية في العراق تساؤلات ملحة حول جدوى البرامج المتبعة والنتائج المتحققة على أرض الواقع، خاصة بعد العوامل القاسية التي عصفت بالمجتمع العراقي خلال العقد الأخير، وفي مقدمتها موجات النزوح وإرهاب تنظيم داعش.

وبالرغم مما تكشف عنه الأرقام الرسمية من انتشار مئات المراكز المخصصة لمحو الأمية في مختلف المحافظات، إلا أن اختصاصيين في الشأن التعليمي يثيرون جدلاً واسعاً حول فاعلية هذه الجهود في ظل غياب رؤية وطنية واضحة واستراتيجية شاملة قادرة على استئصال هذه الظاهرة من جذورها.

وتشير البيانات الصادرة عن الجهاز التنفيذي لمحو الأمية إلى وجود ثمانمائة وثلاثين مركزاً يدرس فيها ما يزيد عن واحد وأربعين ألف شخص، وهو ما تصفه الجهات الرسمية بالجهد الكبير والخطوات الجيدة، إلا أن هذه الأرقام تصطدم بواقع مرير يتمثل في وصول نسبة الأمية إلى خمسة عشر فاصلة ثلاثة في المائة.

وتعد هذه النسبة مرتفعة ومثيرة للقلق قياساً بدولة صُنف نظامها التعليمي في سبعينيات القرن الماضي ضمن الأفضل عالمياً، مما يظهر بوضوح الفجوة الكبيرة بين الإرث التعليمي العريق والواقع الحالي الذي يفتقر لخطة وطنية تستهدف إنهاء الأمية ضمن أفق زمني واضح رغم مرور سنوات طويلة على تشريع القانون الخاص بهذا الملف.

ويعزو خبراء تربويون، ومن بينهم الخبير معاذ الجبوري، هذا الإخفاق إلى أن محو الأمية لا يمكن أن يقاس بعدد الصفوف المفتوحة أو المراكز المنتشرة فحسب، بل بوجود رؤية تحدد الأدوات والمراحل الزمنية والموازنات المستقرة للوصول إلى النسبة الصفرية.

ويرى مختصون أن الخطورة لا تكمن فقط في ارتفاع النسب، بل في غياب موعد وطني معلن لإنهاء الظاهرة كما تفعل الدول التي تتعامل مع الأمية بوصفها تهديداً تنموياً وأمنياً، حيث يظل الحديث الحكومي في العراق مقتصراً على لغة عامة لا تضع جداول زمنية دقيقة أو تقارير شفافة لمتابعة نسب الإنجاز الفعلي.

من جانب آخر، تؤكد الباحثة في سياسات التعليم سهى عبد اللطيف، أن مشكلة الأمية باتت مرتبطة بشكل عضوي بملفات التسرب المدرسي والفقر والنزوح وعمالة الأطفال، وهي قضايا تتطلب مقاربة شاملة تتجاوز عمل وزارة التربية وحدها لتشمل تنسيقاً مع وزارات العمل والتخطيط والشؤون الاجتماعية.

ويؤيد هذا الطرح تربويون أشاروا إلى أن الكثير من الدارسين ينقطعون عن المراكز بسبب غياب الحوافز التشجيعية والضغوط الاقتصادية، مؤكدين أن المناهج الحالية لا تلبي احتياجات الكبار ولا تفتح لهم آفاقاً في سوق العمل، مما يجعل من تعلم القراءة والكتابة مجرد جهد تعليمي معزول لا ينعكس على تحسين المستوى المعيشي للمتعلم.

وفي ظل هذه المعطيات، تتصاعد المطالبات بضرورة إدخال حوافز حقيقية مثل ربط برامج محو الأمية بفرص عمل أو تدريب مهني لضمان استدامة النتائج وتحفيز المواطنين على الالتحاق بهذه المراكز.

ويخلص مراقبون إلى أن النجاح في هذا الملف يتطلب انتقال الحكومة من الوعود المتكررة بتعديل القوانين إلى تنفيذ استراتيجية وطنية مدعومة بشراكات دولية مع منظمات مثل اليونسكو، بحيث تصبح معالجة الأمية جزءاً أصيلاً من التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة للعراق، بما يضمن استعادة مكانته التعليمية المفقودة وتحسين مؤشراته في التنمية البشرية الدولية.

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا