تربیة و تعلیم

سيكولوجية التدريس العميق

التدريس عملية ذكية معرفية: يبذل المتعلم جهدا عقليا في عملية التدريس لاكتشاف المعرفة بنفسه، وتعد من مسؤوليات المُتعلم الذاتية

شهدت الدراسات والبحوث التربوية في العقود الأخيرة تحولاً في رؤيتها لعمليتيّ التعليم والتعلم، وفحوى ذلك هو الانتقال من التركيز على العوامل الخارجية التي تؤثر في التدريس مثل متغيرات المدرس والمُتمثلة بـ شخصيته، حماسه، تعزيزه، والبيئة التدريسية والمنهج المقرر ونتاجات التعلم وغير ذلك من العوامل الداخلية المؤثرة في المتعلم، وخاصة ما يجري داخل عقله مثل معرفته السابقة، نمط معالجته للمعلومات، دافعيته، تفكيره، أسلوبه المعرفي.

 وقد واكب ذلك التحول ظهور مفهوم التدريس العميق (Deep Lessoning) والذي يعد فرع من فروع التطبيقات الاصطناعية الذكية، يعتمد على تدريب النماذج الحاسوبية لفهم البيانات واستخراج معلوماتها المفيدة باستخدام شبكات عنكبوتية متعددة الطبقات، ومن هنا جاءت تسمية العميق، لأن الشبكة تحتوي على كثير من الطبقات وتعتمد فكرة تدريسه على تدريب النماذج الحاسوبية بمجموعة كبيرة من البيانات لتكتسب النماذج القدرة والمهارة للتعرف على الأنماط والعلاقات في البيانات وتحسين أدائها مع زيادة حجم البيانات المتاحة لها، وتتميّز التقنيات الحديثة للتدريس العميق بالقدرة على التعامل مع مجموعة ضخمة من البيانات وتوفير أدوات برمجية متقدمة لتسهيل عمليتيّ التعليم والتعلّم والتحسين وأداء مهام أكثر تعقيداً في مختلف المجالات، مثل التعرف على الصور والنصوص والصوت وترجمة اللغات والتعرف على الكلام والأوجه والتحكم في الروبوتات وتحليل البيانات الاحصائية الى نتائجها.

تعد الرؤية المعرفية واحدة من العناصر المهمة في التدريس، وجوهرها تنشأت فهم المتعلم واستيعابه الخاص بنشاط فعّال فضلاً عن فهم أفكار الآخرين، إذ تنشئ أفكار جديدة من خلال الموقف الذي يمثل مشكلة ما يؤدي الى حالة عدم أتزان تحدث من إجراءات معرفية لا تحل أو تسمح بالخوض في الموقف الذي يمثل المشكلة ويؤدي عدم الاتزان الى نشاط وتعديل للأفكار، وتزامن مع إنشاء المعرفة يحدث تركيب اجتماعي معرفي بواسطة مجموعة متصلة بالمتعلم.

ويجمع أغلب فلاسفة التربية على أن تطبيقات استراتيجياتها المختلفة لها هدف مشترك واحد، وهو بناء المعرفة من لدن المتعلم عن طريق خبراته السابقة وربطها بالخبرات الواقعية الحقيقية التي تواجهه في حياته اليومية، وبذلك يصبح للتعلّم معنى مدى الحياة، ويتفق التدريس العميق مع أفكار النظرية المعرفية، إذ أنها تعتمد وبشكل مباشر الاساسيات التي درسها المتعلم في المراحل الأولى لبناء المعرفة الجديدة مثل الحقائق الاساسية في العمليات الرياضياتية الأربعة، واستخدام الكسور بنوعيها الاعتيادية والعشرية وغيرها من العمليات الأخرى، ويمكن القول بأن الأنظمة تطبّق في جميع نواحي الحياة العلمية والعملية والتي تهتم بدراسة موضوعات مختلفة في.

وفي ضوء ذلك يمكن القول بأن طبيعة التدريس قد تغيرت وتتغير بين الماضي والحاضر والمستقبل، إذ أنها تحولت من صورتها المجردة إلى أداة مهمة لتنظيم الأفكار وفهم البيئة التي نعيشها، كما إن عملية التدريس الطلبة في مختلف المراحل الدراسية ما قبل الجامعة جعلهم يحسبون بدقة وبراعة ويجدون حل للمسائل الحياتية بإبداع ويتيح لهم الفرصة للاستمرار في عالم تتواجد فيه في كل زمان ومكان يفتح لهم أبواب المستقبل المنتج.

وبما أننا نعيش في عالم متطور ومتغير من وقت لآخر كان علينا مسايرة هذا التغير المتسارع والتجديد في الحياة حتى نستطيع أن نخدم المجتمع بكل جوانبه، ولذا ارتبطت الحاجة إلى وجود معايير تربط التدريس العميق بنتاجات التقنيات التربوية المعاصرة، ولعل من أبرزها:

  • مسايرة العصر وفهم تطوراته العلمية والتقنية ومعايشة الوضع العلمي المتطور علميا واقتصاديا واجتماعيا، وذلك عن طريق دراسة لغة العصر بِما فيها من رموز وتصاميم ومُمارستها كأداة إتصال وتواصل.
  • استخدام الأفكار والمفاهيم الرئيسة والثانوية التي تعمل على توضيح ميدان التدريس وربط فروعه بعضها بالآخر بصورة متكاملة لفهم ذاته من جهة وفهم العلوم المختلفة والحياة الإنسانية من جهة أخرى.
  • الاقتصاد في الجهد والوقت اللازم لنمو أفكار التدريس العامة عن طريق تحسين طرائقه وادخال نماذج واستراتيجيات تقنية تخدم العلمية التعليمية.

كما إن للتدريس العميق افتراضات كثيرة يؤكد عليها لعل منها:

  • التدريس عملية ذكية معرفية: يبذل المتعلم جهدا عقليا في عملية التدريس لاكتشاف المعرفة بنفسه، وتعد من مسؤوليات المُتعلم الذاتية.
  • التدريس مهمة حقيقية: يؤكد هذا الافتراض على التدريس الذكي القائم على حل المهام الأكثر تعقيداً، فعندما يواجه المتعلم مهام حقيقية يساعده ذلك على بناء معنى لمّا تعلمه ويُنمي الثقة لديه ولذا نرى إن التدريس الذكي هو فهم حقيقي لما تعلمه المتعلم وليس مجرد حفظ وتلقي المعلومة ووضعها في الذاكرة.
  • المعرفة الذكية للمتعلم: تهتم الفلسفة المعرفية بالمعرفة الذكية وتعدّها شرطا أساسيا لبناء المعنى، إذ إن التفاعل بين المعرفة الجديدة والسابقة لدى المتعلم يُعد من أهم مكوناته.
  • بناء المعرفة الذكية: إن التدريس عملية إبداع لتراكيب معرفية ذكية تنظم وتفسر خبرات المتعلم مع المعطيات الخارجية وبالتالي يصبح لديه إطار مفاهيمي ذكي يساعده على إعطاء معنى للخبرات التي مرَّ بها، وليس معنى ذلك أن التدريس مجرد عملية تراكمية آلية لوحدات المعرفة ولكنه عملية ابتكار وإبداع للمعرفة بحيث نُعيد بناء التراكيب بصورة ذكية من جديد اعتمادا على نظرة التدريس الجديدة.

النمو الذكي للمفاهيم:  إن المتعلم لا يبني معرفته من خلال أنشطته الذاتية فقط، ولكن يبنى ذلك من خلال التفاوض الاجتماعي الذكي مع الآخرين في بيئة تدريسية تعاونية ذكية، وبالتالي تتعدل المعاني لديه من خلال تفاوضه مع الآخرين تبعا للمنظومة المعرفية الموجودة لديه، ولذا ينظر إلى المعرفة الذكية باعتبارها سياقية ومن ثم يصبح لكل متعلم ذكي بصمة تقنية تميزه عن غيره.

عن المؤلف

أ.م.د عاطف عبد علي دريع

اترك تعليقا